عبـــد الحميــــد مـــهري في حـــوار لجـــريـــدة « لاناسيـــون »

Publié: 9 juillet 2011 dans actualité, analyse & opinion
Tags:, , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

Ahmed Selmane
Dimanche 3 Juillet 2011

رجل مشبع بتجربة سياسية وتاريخية حافلة، كلماته دقيقة ومعبرة، علينا أن نستمع إليه في هذا الحوار .

 يؤكد عبد الحميد مهري على حتمية الإصلاح الذي يكون تتويجا لنقاش مفتوح يشمل كل القوى السياسية في البلاد

لاناسيون : يعود آخر حوار لجريدة « لاناسيون » معكم ل15 سنة خلت، وهي فرصة لنسألكم عما تغير منذ ذلك الحين؟

عبد الحميد مهري : التغيير الأساسي هو إيقاف الإصلاحات التي بدأت سنة 1989 بإعلان الدستور وعدد من الإجراءات في الميدان الاقتصادي لأنها متصلة تماما بالإصلاحات السياسية. وكان رد الفعل كله، مهما كانت مظاهره، يرمي إلى إيقاف هذه الإصلاحات. وربما، كان من الصعب، لمقتضيات خارجية، الاكتفاء بإلغاء ما تم إقراره فقط ولهذا كرس الجهد على إرساء ديمقراطية صورية بالإبقاء على تعددية حزبية شكلية ودستور مقبول نسبيا وانتخابات وفصل نظري بين السلطات. وهذا يعطي على المستوى النظري والنصوص مظهرا لنظام مقبول.. لكن الأشياء في الواقع تختلف تماما عن هذا المظهر، فهناك نظام مواز كامل لنسف ما هو موجود في النصوص. ففي مجال التعددية الحزبية يتم تشجيع حزيبات تعارض المعارضة وتمارس ضغوطا على الأحزاب المعارضة الموجودة، ويمنع بقرار غامض تأسيس أحزاب جديدة والقيام بأعمال تهدف إلى إجراء تغييرات داخل الأحزاب بجميع الوسائل، وعندما نجمع كل هذه الأشياء يتم إفراغ مفهوم التعددية الحزبية من كل محتوى، وينتهي الأمر إلى جمع بعض الأحزاب في تحالف حكومي يفرغها من برامجها الخاصة ويجعلها تسبح ببرنامج السلطة. كل هذه الإجراءات تفرغ التعددية الحزبية من محتواها. فالديمقراطية والانتخابات والمجالس المنتخبة تفرغ بأشكال مختلفة: تزوير الانتخابات ، القيام بضغوط حتى لا يتم ترشيح سوى الأشخاص الذين يرضى عنهم النظام، وجعل المجالس المنتخبة تحت قيادة غير منظورة تملي إرادتها على المنتخبين. إذن فنحن منذ بداية الأزمة سنة 1992 إلى اليوم، أمام نظام حكم له مظهر مقبول عبر النصوص، ولكن له حقيقة أخرى تتمثل في كونه نظاما شاملا غير منظور يسير البلاد. إذن عندما نطالب بالتغيير وتعطى لنا نصوص للنقاش والتحسين أو التغيير فهذا يعني أن التغيير ينحصر في الشكل ولا يمس أسس النظام.

لا ناسيون :هل هذا ما قلته للجنة بن صالح؟

عبد الحميد مهري : بالأساس شرحت لأعضاء اللجنة أن مهمتهم تتعلق بالمظاهر، في حين أن النظام الذي يراد تغييره غير خاضع للنصوص، وأعطيت أمثلة على ذلك : لا يوجد نص يجيز تزوير الانتخابات ولا يمكن منعها في الواقع بنص آخر، وذكرت المناورات ضد الأحزاب والتجربة التي عشتها شخصيا، فقد كان هناك سطو بالقوة من طرف مصالح أمن الدولة على جبهة التحرير لتغيير قيادتها وخطها السياسي. وهناك قرار اتخذ منذ عشر سنوات بعدم السماح بقيام أحزاب سياسية جديدة، ولا نعرف من اتخذ القرار، هل هو حزب، هل هو هيأة، أم هو شخص؟ إذا قضية الحياة السياسية والتعددية الحزبية لا تعود إلى النصوص. وفي مجال الحريات العامة تعرضت شخصيا للمنع، ومنعت من تنظيم لقاء تاريخي حول مؤتمر طنجة. قلت للجنة أن التغيير المحتمل للنصوص أو تحسينها يمكن أن يكون في نهاية المطاف ولا يمكن أن يكون في بدايته. والذي يجب إنجازه قبل ذلك هو الخروج من الديمقراطية الشكلية إلى ديمقراطية حقيقية، وهو ما لا يمكن الوصول إليه بتغيير النصوص بل باتفاق سياسي يكون ثمرة نقاش وطني يشمل كل القوى السياسية. قلت لهم أن مهمة اللجنة بدأت بالإقصاء، فهناك قوى سياسية رفضت الحضور ولكن لا توجد محاولة لفهم أسباب ذلك. وهناك قوى سياسية أخرى أقصيت بغير وجه حق، حسب رأيي. قد يقال لي أنهم أناس نادوا بالعنف أو إسلاميون. أنا أسأل ببساطة : كم عددهم؟ هل هم أفراد قلائل أم فئة كاملة من الشعب الجزائري؟ ولا أفهم أن يقال أن الشعب صادَقَ على ذلك. هل يمكن أن يصادق الشعب في استفتاء على عقاب جماعي؟ إذا كان المقصود هو التعبير عن اختلاف سياسي مع منهج معين فأنا ضد استعمال العنف، وأنا ضد نظام حكم تيوقراطي، ولكن أن يقال أن ذلك المواطن أصبح بلا حقوق لأنه فكر أو يفكر بطريقة ما أو لا يمكن أن يترشح أو أن يرسل إلى الصحراء بدون وجه حق، فهذا غير مقبول. وهذا يعني أننا نحدث مواطنين من درجة دنيا « أنديجان. « 

لاناسيون: كيف ترون سير هذه اللجنة؟

عبد الحميد مهري : نصت الرسالة التي بعثتها اللجنة للمدعوين على أن النتائج ستكون مطابقة لآراء الأغلبية. قلت لهم هذه الأغلبية تُصنع بقائمة المدعوين، إذن فمهمة اللجنة كبدايتها ونهايتها قابلة للنقاش. فهي تبدأ بإقصاء وتنتهي بهذه الأغلبية المزعومة. فهل مفهوم الأغلبية صالح في مشروع مثل هذا؟ لا أظن ذلك لأننا لسنا بصدد التسيير العادي لشؤون للدولة. إننا بصدد إصلاح يمس بنية الدولة. إننا بصدد بناء البيت المشترك ولا يمكن أن نقصي منه أية شريحة من الجزائريين.

لاناسيون: لماذا تقبل سلطة خفية أن تضع نفسها محل نقاش، وتقبل وضعية عادية من التوافق بين الدولة الشرعية والسلطة الفعلية؟

عبد الحميد مهري : طرح السؤال بهذه الطريقة يعني أنه لا يوجد ضغط في اتجاه الإصلاح، في حين أن طلب التغيير موجود في المجتمع وهو في تنام. فالاختيار هو بين إصلاح يقبله الجميع أو إصلاح يفرضه تطور المجتمع والقوات المطالبة بالتغيير. ذكرت أيضا أنه في عام 1989، كانت لي تحفظات على الطريقة التي تم بها الإصلاح، مع أن مشروع الدستور كان يشكل انفتاحا حقيقيا. قلت للرئيس الشاذلي بن جديد لا تقم بالإصلاح وحدك، يجب تنظيم نقاش واسع والمرور عبر مجلس منتخب. قليل من الناس كانوا يعرفون هذا الموقف الذي أعربت عنه بوضوح للرئيس الشاذلي. والذي قلته للشاذلي سنة 1989 أقوله لبوتفليقة اليوم: لا تقم وحدك بإصلاح يمس بنية الدولة ! قم بذلك مع الآخرين، فالإصلاح الحقيقي الجدير بهذا الاسم: إصلاح من أجل تغيير النظام يتطلب ندوة وطنية من دون إقصاء سياسي وأرضية توافقية تحدد الأهداف المنشودة والمراحل ووسائل التنفيذ. وعند ذلك يمكن أن نبدأ العمل متضامنين لتطبيق هذا الإصلاح. وعلى كل حال، فالنقاش المعمق الذي يسمح لكل واحد أن يعبر عن رأيه والمقاربة التوافقية هي في نظري مراحل ضرورية لإثبات جدية التغيير، وإذا كانت هناك محاولة لفرض الأمر الواقع فهذا ليس إصلاحا، بل هو استمرارية.

لاناسيون: ألا يحث ما يجري في العالم العربي حاليا على اتفاق جدي بين السلطة والمجتمع للذهاب قدما؟

عبد الحميد مهري : أرجو ذلك صادقا. لكن مع الأسف هناك بعض التصريحات تحاول ولو في المظهر التأكيد على أن ما يراد القيام به ليس له صلة بما يدور حولنا ولا ما تقوله القوى التي تعارضنا. وذلك خطأ والعكس هو الصحيح. فلكي تتوفر إمكانية النجاح لمسعى جدي عليه أن يأخذ في الحسبان ما يدور في منطقتنا وما يقوله الآخرون، وعلى الخصوص، المعارضون. كما أن تكرار القول بأن الإصلاحات التي تقرر القيام بها ليست لها علاقة مع الظرف وبأنها إرادة بحتة للنظام، غير مقنع.

لاناسيون:أظهرت الحالة الليبية زوال الوازع الذاتي للمجتمعات تجاه تحالفات مع الخارج

عبد الحميد مهري : نعم ، نوعا ما. والأنظمة العربية هي المسؤولة عن ذلك. إن تخاذلها أمام القوى الغربية في الماضي والإفراط في القمع أعطت للغرب جميع الذرائع لتبييض نفسه والتقدم أمام جزء من الرأي العام على أنه قوة محررة. فالتدخل الأجنبي كان موجودا قبل ما يعرف بالربيع العربي، كان موجودا إلى حد أن العرب أصبحوا غائبين عن الساحة الدولية حيث كان يقرر مصيرهم. . . وعندما يقمع القذافي شعبه بصورة بشعة ويعلن ذلك على الملأ يعطى كل الذرائع للقوى الغربية للتدخل بدعم من رأيها العام الذي كان متحفظا. هناك أنظمة عربية ما زالت تنادي الغرب للتدخل، ولكن ليس للمساعدة على التغيير بل لكبحه. ولا أعتقد بتاتا بأن التدخل في ليبيا، بالرغم من المظاهر، هدفه المساعدة على التغيير. إن هذا التدخل دفع الجماهير الليبية أكثر إلى كفاح مسلح غير محضر له ومكن الغرب من القبض على جوهرالوضعية وضبطها وفق مشيئته

لاناسيون: هذه التطورات مقلقة من جانب الأمن الوطني.

عبد الحميد مهري : إن الجانب الأمني هو بالطبع ملازم لكل تغيير هام يمس هياكل دولة ما. لكن ما يسمى بالربيع العربي يبرز لنا أيضا مدى الضرر الذي أحدثته الأنظمة العربية المتسلطة والذي كنا نحسه دون أن نلمسه، فتوفير الأرضية لتدخل الغربيين الذين يقدمون أنفسهم اليوم في صورة محررين هي أحد هذه الأضرار، كما أنه يُظهر أيضا الهوة الرهيبة الموجودة بين الأنظمة والجماهير المتمردة المطالبة بالتغيير رغم الإعاقة التي شكلها المرور عبر صحراء سياسية لم تحضرهم لذلك. وحتى البلدان العربية الأحسن وضعا في وفرة النخب لا تعرف كيف تبرز قوات بديلة. وهذا يظهر أن تصحير المجال السياسي من طرف الأنظمة، في الجزائر وغيرها، كان ناجحا تمام النجاح. لقد كان يمكن استثمار هذه القوات الشابة المحتجة بطريقة أفضل في تنمية البلاد، وهو ما يكون ممكنا في نظام ديمقراطي. إن وثبة الجماهير العربية هذه تعطي لنا كثيرا من العبر.

لاناسيون: هذه الوثبة جاءت رمزيا بعد 50 سنة من استقلال الجزائر، هل هي نهاية لحقبة تاريخية؟

عبد الحميد مهري :هذا ما قلته بعبارات أخرى للجنة. إن التغيير حتمي. ومهما كانت أضرار النظام فإنه وصل إلى حالة من العجز التام، وأعطيت مثلا على ذلك: إن الجزائر تعيش على المحروقات منذ الاستقلال، ولم يحقق، طيلة خمسين سنة، أي شيء للخروج من ذلك، لأن النظام عاجز عن إرساء سياسة اقتصادية تأتي بالبديل. إن عدم الاستقرار كان جليا في المجال الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة حيث تم تغيير اتجاه هذه السياسة عدة مرات، لأن النظام غير قادر على إرساء سياسة اقتصادية طويلة الأمد. وقد شاهدنا رئيس الجمهورية يعلن أن السياسة الاقتصادية فشلت وأنها أدت بنا إلى الجحيم بدل الجنة الموعودة، وبعد هذا التصريح لم نسجل أي نقاش حول أسباب فشل هذه السياسة والبحث غن البديل.

لاناسيون:لماذا؟

عبد الحميد مهري : لأن النظام لم يكن لديه أي إحساس بأن عليه تقديم تفسير أو فتح نقاش بخصوص المسألة. وإذا كنا اليوم ندفع حتى نهدئ الطلب الاجتماعي فما ذا يكون عليه الحال بعد 20 أو 30 سنة حين تشهد الأجيال الحالية نهاية البترول؟

لاناسيون: يبدو أن أكثر ما يخشاه النظام هو المناورات من داخله؟

عبد الحميد مهري : هذا ممكن، وهو من طبيعة النظام ذاته، وفضلا عن ذلك فإن نظرة المسؤولين الحاليين للمستقبل ضيقة . لا توجد نظرة كفيلة بوضع البلاد على السكة، كما يقال.

لاناسيون: لماذا؟

عبد الحميد مهري : لأن النظام، بكل بساطة، غير ناجع. نسجل أحيانا نوايا طيبة ومحاولات إصلاح ولكن ضمن مسعى سلطوي. وكل الإصلاحات التي تمت في المجال المصرفي والإدارة أو التعليم عرفت الفشل أو نتائج محدودة لأنها أديرت بنفس الذهنية، التي تمنع النقاش ولا تشرك المعنيين ويتم كل هذا دون وجود أفق عام. لم نشهد في الواقع أبدا سياسة اقتصادية متكاملة. بل محاولات متغيرة منذ 20 عاما، وهذا لا يسمح ببناء المستقبل. فالتغيير إذن ضروري لأن النظام غير قادر على الذهاب أبعد، ومهما كانت النوايا الحسنة لبعض المسؤولين فإن الأداة التي بين أيدينا لا يمكن أن تذهب بنا بعيدا.

لاناسيون: لماذا لا يصل أصحاب النظام إلى هذا التشخيص الذي يبدو بديهيا؟

عبد الحميد مهري :بعض المسؤولين لا يدركون سبب عدم قدرتهم، ولا يفهمون لماذا  » لا تمشي الأمور ». يجب أن نقول لهولاء المسؤولين إن القضية ليست مسألة أشخاص بل مسألة نظام حكم وأنه مهما كانت إرادتهم طيبة سيبقون دائما عاجزين إذا لم يتغير النظام. وللنظام قواعد تسيير معروفة: تعليمات فوقية، غياب النقاش، عدم مسؤولية الذين يتخذون القرارات التي تكون أحيانا مصيرية، التخفي… هناك عدد من الأشياء تجب معالجتها والتطرق إليها وإن لم نقم بذلك فقد يعرض علينا غدا تغييرا في الواجهة مع استمرار نفس الثقافة ونفس الممارسات. ولهذا فالنقاش ضروري.

لاناسيون: ولكن أويحيى يقول أننا لسنا في أزمة؟

عبد الحميد مهري : إذا كان الرجل يؤمن حقيقة بما يقول فهذا يعني أن مجال رؤيته للعالم محدود إلى درجة أنه لا يرى الأزمة. وقد حاول أيضا أن يقنع المستمعين بعدم جدوى عقد ندوة وطنية لأننا- كما قال- قمنا بذلك في 1991 وكانت نتائجها سلبية. إذا سلمنا بهذا المنطق فإننا عرفنا أيضا « حوارات استماعية » لم تعط شيئا وانتخابات كانت نتائجها سيئة، إذا يجب أن لا نعيد كل ما قمنا به في الماضي ! لقد نظم تلك الندوة الوطنية في التسعينيات وأشرف عليها نظام الحكم لأهداف مختلفة وفي ظرف آخر… وليس من الضروري أن كل ما يسمى ندوة يندرج في نفس المنطق.

لاناسيون:هل للمعارضين فكرة عن التغيير الذي يجب القيام به؟

عبد الحميد مهري:يرى بعض المعارضين أن تغيير النظام يتمثل في تغيير المسؤولين، تغيير مسؤول أو اثنين وينتهي الأمر في نظرهم. ولهذا فالنقاش ضروري لأنه لا يمكن أن نكتفي بالمناداة بسقوط النظام أو تغيير النظام. يجب التفاهم حول ما يجب تغييره، وكيف يتم تغييره. فالنقاش الوطني ضروري لأنه السبيل للتغلب على بعض الممارسات وعلى نوع من الثقافة التي تجعل حتى بعض المعارضين يندرجون في المسعى العام للنظام القائم وهو إقصاء الآخر. والنقاش الوطني ضروري لتحليل تسيير النظام وممارساته العادية في جميع المستويات: التعليمة الشفوية، والتعليمة الفوقية التي تتخطى القواعد والقوانين، فطريقة إصدار التعليمات مسألة جد مهمة في فهم سير النظام، والنقاش يهدف لإنهاء تلك الممارسات. إن القرارات التي تتعلق بالمصلحة العامة، يجب أن تكون، بصفة مؤكدة، ممضاة من طرف مؤسسة أو شخص مسؤول. إن هذا أمر مهم، ونحن في حاجة إلى ذلك لتغيير النظام.

لاناسيون:هل هناك إجراء خاص يمكن القيام به؟

عبد الحميد مهري : التغيير يتم عبر جملة من الإجراءات، ولا يمكن لإجراء واحد أن يلبي الحاجة إلى التغيير. وبالعودة إلى الدروب الخاطئة للتغيير أذكر انه كانت في 1989 حملة عند بعض السياسيين والعسكريين تزعم أن التغيير الحقيقي هو تغيير الرئيس، وكان بعض المسؤولين داخل جبهة التحرير ينادون بذلك. ثم تم تغيير رئيس الجمهورية، ونحن نعرف ما حصل بعد ذلك. إذا فلنحذر التغييرات الشكلية التي لا تعالج المشاكل الحقيقية المعاشة من خلال تجربة خمسين سنة.

لاناسيون :كيف يمكن فهم مسعى النظام الذي يبدو غير عقلاني؟

عبد الحميد مهري : المسعى العام للسلطة، من منظور خارجي، هو منع كل إمكانية لقيام البديل. هذا هو الأساس. وانطلاقا من ذلك تحيد أو تقتل في المهد كل المحاولات والقوى والنوايا التي يمكن أن تجسد هذا البديل. ولهذا يفضل أن تكون لدينا أحزاب وهمية بتحالفات وهمية يمكن المناورة بها كما يشاء، والنتيجة هي تغذية السخط وتغذية الرفض والريبة بدون أن تتمكن الجماهير من تعلم العمل السياسي. كل هذا لم يمنع السخط من الظهور، سخط بدون تجربة سياسية، وهذا أخطر على البلاد.

لاناسيون: ألسنا بصدد خلق ظروف قابلية الاستعمار التي ذكرها المرحوم مالك بن نبي .

عبد الحميد مهري :هذه الوضعية قد تعطي مثالا يجسد هذه النظرية، فهناك حاليا ليبيون ينتظرون التحرر من الخارج. وكثير من الوطنيين العرب الذين قضوا كل حياتهم نضالا ضد التدخل الأجنبي وجدوا أنفسهم في وضع مقلق هل يجب تقبل هذا التدخل الأجنبي لتفادي مجزرة في بنغازي أم لا؟ أنا أحمل المسؤولية كاملة للنظام الليبي . إن الموقف ضد التدخل الأجنبي صحيح ولكن التدخل الأجنبي كان مجسدا بتخاذل الأنظمة العربية، فموقف الجزائر يكون له معنى لو ضغطت على القذافي وطلبت منه أن يتوقف.

لاناسيون: ربما نسيت الجزائر أن ليبيا ليست شأنا خارجيا؟

عبد الحميد مهري :ـ موقف الجزائر بخصوص المشكل الليبي غامض نوعا ما. فهناك تضامن طبيعي بين الأنظمة: لا نريد المساس بنظام عربي لأننا نتشابه. فضلا عن ذلك قال القذافي في إحدى خطبه أن الجزائر استعملت جيشها لقمع أصولييها. إذن هناك إحساس بعقدة ما. وفي المقام الثالث هناك حساب خاطئ: نقلل من الموجة التي تكتسح العالم العربي. ونقول ربما أن المنتصر هو ليس من نتصوره. عندما أجازت الجامعة العربية التدخل الأجنبي وقع التركيز على هذا الجانب وحده، وكنت أحبذ أن أرى الرئيس الجزائري أو على الأقل ممثلا له يذهب إلى القذافي ليقول له كف عن المجازر. هذا المجهود لم يتم إلى حد الآن. نطلب من الغرب أن يتوقف ولا نقول للقذافي توقف.

إن الذي يحدث في ليبيا لم يعد مسألة داخلية، واللجوء إلى مبدأ عدم التدخل غير مقنع، فقد كان بإمكان الجيران أي الجزائر، تونس ومصر أن يطلبوا من القذافي أن يكف يده.

لاناسيون :كيف ترون تسيير الربيع العربي من طرف الولايات المتحدة؟

عبد الحميد مهري :من الصعب إصدار حكم نهائي في هذا الموضوع، ولكنني أظن أن الغرب تفطن لأهمية التغيير الذي يطرأ وفهم بسرعة ضرورة التكيف معه دون أن يغير في الأساس سياسته في المنطقة، فهم أن الأنظمة التي دعمها حتى الآن والتي خصبت الأرضية المعادية للغرب أصبحت غير مجدية، وهو يغيرها الآن بسياسة أكثر نفعا تقوم على دعم موجة التغيير نظريا، وإبقاء وجوده في المنطقة. فهو يغير القناع ليقدم نفسه بوجه رحب، ولكنه تغيير في الواجهة وليس في السياسة

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s