آيت أحمد في حوار مع لاناسيون

 

أحمد سلمان
Lundi 11 Juillet 2011

http://www.lanation.info

 

حتى لو حدث، مع أنه لا يشك بأن النظام يناور وهو يحرك موضوع الإصلاح لا يوجد أثر للتشاؤم عند حسين آيت أحمد فهو يبجل في هذا الحوار عودة كلمة الحرية مع الربيع العربي وبداية تحرر من استعباد طويل للضمائر الذي تلا الاستقلال وهو لا يشك أن الجزائريين الذين قاوموا التدمير الاستعماري سيعرفون كيف يخلقون البديل الديمقراطي لنظام ينكر ويُعنّف. وهو يشيد بالجزائريين وبالمناضلين السياسيين الذين لا يكسبون هذه الصفة بشكل نهائي ويتعلمون كل يوم ضد الصعاب والمحن وضد القمع واليأس كيف يصبحون مناضلين سياسيين ويبقون كذلك.

س ـ يأتي عيد الاستقلال هذه السنة في ظرف وطني ودولي تميزه فكرة الإصلاحات من جهة والربيع العربي من جهة أخرى. ماذا يوحي لكم ذلك؟

 ج ـ في الأول العودة الكبيرة لكلمة الحرية، وبداية التفكيك (أخيرا ! ) لفكرة عبثية أثقلت رؤوس الملايين من النساء والرجال لعشرات السنين، فكرة كانت تزعم أن الشعوب بعد أن نالت استقلالها لم يعد لديها ما تصبو إليه، اللهم إلا بعض المطالب ذات الطابع المادي. وبدلا من أن يكون بداية لمسار التحرر، تحول إعلان الاستقلال، باستعمال القوة والمكر والابتزاز، إلى استعباد طويل للضمائر. إن أول وأعظم انتصار لانتفاضة المجتمعات يكمن في التأكيد على فكرة كانت ممنوعة حتى الآن: على القادة أن ينالوا استحسان الشعوب وليس العكس، على القادة تقديم الدليل على أنهم يحبون أوطانهم ويستحقون ثقة شعوبهم، وليس على الشعوب أن تقدم كل صباح الدليل على وطنيتها بوقوفها في حالة استعداد أمام المستبدين. إن ربيع تونس والتجند الرائع للشعب المصري أعطيا للعالم العربي هذه الهدية التي لا تقدر بثمن.

س ـ وماذا عن عيد الاستقلال؟

 ج ـ هل لاحظتم بهجة المتظاهرين في ساحة التحرير؟ بالرغم من الخوف والوعي بخطورة الرهانات فإن الشعوب تبتهج عندما تناضل من أجل مستقبل أفضل حتى لو لم تكن الأمور مربوحة سلفا. لقد عرفنا هذا النوع من البهجة عندما كانت الحرية تبدو قريبة المنال، وسنسترجع هذا الإحساس البهيج بالنضال عندما يبدو المستقبل أقل قلقا للشباب. إن الجروح التي تم فرضها على هذا البلد من العمق بحيث لا يمكن حصرها في جدول أعمال تبسيطي، واستقلال بدون حرية هو ليس استقلالا في الحقيقة…

س ـ هناك كلام عن إصلاحات سياسية في الجزائر، عن التغيير…

 ج ـ أعرف. يتكلم عنهما في كل مرة لا نعرف فيها ما نفعل. عندما كانت هناك إصلاحات حقيقية فقد افتعلوا حربا لتوقيفها. أبقى متشككا في قدرات النظام على أن يفعل أفضل من المعتاد.

س ـ أهذا كل شيء؟

ج ـ هل تظنون أنها مسألة اقتراحات وأفكار جديدة وبرامج طموحة؟ لقد قدمنا اقتراحات وأصدرنا تصريحات وأرسلنا رسائل ومذكرات. ..

س ـ إذا عما نتحدث؟

 ج ـ عن الإرادة السياسية، هناك انعدام إرادة في فعل الأمور بجدية، هناك الكثير من الأكاذيب والمراوغات والألاعيب المشبوهة، إن هذا البلد مثقل بالخدع والحيل القذرة ووسط كل ذلك هناك استخفاف لا يصدق في تسيير هذا الغضب الهادر، كأن السلطة لم تعد قادرة على تقدير كل ما تم إهداره. إن أصحاب القرار الحقيقيين فرضوا دوما مهارة السلطة السياسية كما لا يمكن أن ننسى الدور والتجربة الطويلة لبوتفليقة في فن إفشال كل إمكانية للتحول الديمقراطي بالحيلة والعنف. عندما لا تكون هناك ثقة يجب البدء باستعادة الثقة. ولا يمكن تصور حوار دون هذا الشرط المسبق.

س ـ استجاب السيد عبد الحميد مهري للجنة بن صالح في الوقت الذي رفضتم فيه الدعوة. كان يبدو أن هناك تقارب بينكما خلال السنوات القليلة الماضية. ما رأيكم في اقتراحاته للخروج من الأزمة؟

 ج ـ أعربت له عن تأييدي بصفة علنية وبصفة خاصة، لِمَا يحاول القيام به ببيداغوجية رفيعة نحو السلطة وكل الذين مازالوا لا يعرفون معنى الديمقراطية وشروط تطبيقها وبناء الثقة في مسعى جدي من أجل التغيير.

س ـ وأنتم ألا تفكرون في « عمل بيداغوجي » اتجاه السلطة؟

 ج ـ لكل منهجه. عندما يكون هناك شيء جديد سأتكلم، أما الآن فأنا لا أرى ذلك.  وتبقى الأولوية بالنسبة إلي هي بناء الحزب واسترجاع الروابط بين المناضلين والمواطنين والقوى الاجتماعية ومواصلة الحوار مع الشركاء الملتزمين في جهد جدي ومثابر من أجل الديمقراطية وتغيير نظام الحكم. إن النضال السياسي في ظل نظام استبدادي هو إعادة تعلم دائم للممارسة السياسية. لا يصبح المرء أبدا مناضلا سياسيا بصفة نهائية، نتعلم يوميا أن نكون كذلك وكي نبقى كذلك.

س ـ قيل كلام كثير خلال الأشهر الأخيرة عن التاريخ، لن أقلل من شأنكم بالطلب منكم الجواب عما قيل، ولكن أتظنون أن الصمت كاف؟

 ج ـ أي صمت؟ التاريخ نصنعه أولا، ثم نكتبه بعد ذلك. أعمل منذ عدة أشهر مع مجموعة من المؤرخين فرنسيين وجزائريين شبابا وأقل شبابا حول ما أعرفه وما شاركت فيه في كتابة الثورة وحرب الاستقلال، وأنا مدين بذلك لكل الوطنيين ورفقاء الكفاح، كما أنني مدين أيضا بذلك للأجيال الشابة. وأترك الثرثرة للمثرثرين.

س ـ لنعد إلى الحاضر. إن الوضع الأمني الذي عرف تهدئة في باقي البلاد يبقى غير صحي في منطقة القبائل.

 ج ـ كيف يمكن أن يكون هناك جو أمني صحي في بلد جوه السياسي، وأستسمحكم في العبارة، فاسد تماما، إن الوضع الأمني هو غير صحي إجمالا في كل البلاد مع بعض الخصوصيات المحلية هنا وهناك. عرف بالطبع العنف « الإرهابي » انحسارا في بعض الأماكن وليس في أخرى ولكننا لا نعرف بالتدقيق من الذي يغذي الممارسة البغيضة في الاختطاف وهناك أشكال أخرى للعنف ظهرت وتعرف تطورات مقلقة.

س ـ ماهي؟

ج ـ إنها عديدة، ولكن كلها لها علاقة بالرشوة في الإدارة والمصالح التي لها علاقة بأمن المواطنين. الجريمة الكبيرة والمخدرات واللصوصية في كل شيء لا تنمو في بلد مؤطر بصفة صحية، فالبطالة المكثفة عند الشباب تجر المجتمع إلى أن يكون أقل حرصا على الأخلاق اليومية. بعد ذلك يكفي أن حالة من عشرة تسقط في شباك تنظيم إجرامي لتدخل في دوامة جهنمية وهنا نلتقي بطبيعة نظام الحكم، إن الرشوة ظاهرة معقدة، ويعيش المواطن الذي يرتكب مخالفة بسيطة في خطر كبير إذ قد يصبح في أمد قصير، نوعا ما، بين أيادي شبكة إجرامية على مستوى الحي حيث يوجد اللص والشرطي الفاسد ومنتخب « الشكارة » والبيروقراطي الفاسد، الذين يشكلون « النخب الجديدة للنظام » والتي تتكفل « بتأطير الشباب ».

س ـ ولكن ماذا تفعل الأحزاب السياسية؟ 

 ج ـ مناضلو الأحزاب السياسية ليسوا أبطالا خارقين للعادة قادرين على مكافحة، في نفس الوقت وبصفة مستمرة، القمع البوليسي والمافيات التي تمثل الأرضية الاجتماعية الحقيقية للنظام ! مع أنهم يفعلون أو يحاولون فعل ذلك، ويحاولون تجاوز التفكك العام، التعب والغضب، في حين أن كل الجهاز الإيديولوجي للنظام يشجع التجهيل السياسي ! تأطير المواطنين عمل جبار عندما يكون هناك عمل تقويضي مقابل يقدم الاختلافات بين الأحزاب السياسية والمناضلين والمنتخبين كمجرد مسائل غيرة وحسد ! بالطبع هذا موجود ولكن هناك في الأساس خط الفصل بين المناضلين النزهاء وأولئك الذين يتعاطون مع الشرطة السياسية أو مع أوساط الرشوة، ولأنه ليس في إمكان المواطنين رؤية الأمور بصفة موضوعية نتيجة لتبعية الإدارة للفاسدين فإنهم يبقون بعيدا بين عمل شغب وآخر، لأنهم يخشون الخطأ وأيضا لأنهم يخشون الانتقامات من كل الأنواع. هذا « الإرهاب » أصبح أكثر قوة، وهو يُغذَّى ويُشجَّع من طرف نظام الحكم. ولكم مثال في قصة قضية خليفة فمن مومن خليفة إلى السارق البسيط في الحي هناك « سلسلة للقيادة » تنطلق من المكاتب الفخمة للنومونكلاتورا للدولة أو بارونات النظام حتى الأحياء الشعبية أو الأحياء القصديرية، إنهم مواطنون بلا قدرة على الطعن كما هم ممنوعون من كل الوسائط « العادية »، يعطون جحافل من الضحايا والمذنبين. بالأمس كانت تغذي الجبال وهي اليوم تغذي جنود الإجرام. هذا ما نحن عليه بعد خمسين سنة من الاستقلال. تحت الاستعمار كان الشباب الجزائري الفقير يجند بالقوة في الجيش الاستعماري واليوم يتم تسليمه إلى المافيا.

س ـ حتى في منطقة القبائل؟

 ج ـ في القبائل لا تكتفي السلطة بالتسيير عن طريق القمع الوحشي والرشوة كما تفعل ذلك في جهات أخرى. في القبائل وحتى يتم تكسير هذه المنطقة، التي كانت تاريخيا متمردة ومسيسة بقوة، بصفة أحسن، تعمل السلطة على الترويج للبدائل الكاذبة. إن التجهيل السياسي تحت وصاية السلطة والذي يقوده بارونات محلية والتي مع أنها مخلوقات خالصة للنظام تمارس خطابا معارضا ليس لنظام الحكم وإنما لباقي الجزائر. والأدهى في هذه القصة أن نفس الدوائر التي تعمل على الترويج لخطاب معاد وعنيف للقبائل في بعض وسائل الإعلام والدوائر هي نفسها التي وراء المجموعات الصغيرة التي تنمي خطابا معاد للعرب في منطقة القبائل. والنتيجة هي هذا التجهيل السياسي المتنامي. إن أثمن ما قدمته القبائل للجزائر هو رأس مالها السياسي. وعندما يتم استبدال السياسة بالتقوقع الشوفيني المقصود هو حرمان الجزائر من عطاء القبائل حتى تحرم منطقة القبائل من الجزائر. إن الناس المسؤولين والجديين لا يمكنهم أن يقولوا أن القبائل هي سويسرا عندما تكون كل البلاد تحت النار والدم ثم يقولون بعد عشر سنوات أن القبائل هي وحدها المستهدفة بالعنف. إلى حد الآن فإن المواطنين في منطقة القبائل وخارج منطقة القبائل يقاومون هذه المناورات وهذه المقاومة تأتي مما تبقى من إرث الحركة الوطنية. وفي هذا الخامس من جويلية علينا أن نحتفل بما تمكن إصرار الجزائريين من المحافظة عليه وإنقاذه من المناورات التدميرية للنظام. وهذا الإصرار العنيد الذي قاوم التدمير الاستعماري سيكون برغم كل الصعاب قادرا على بناء بديل ديمقراطي لهذا النظام الذي لا يطاق

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s