محمد هشماوي ل « لاناسيون »: الفساد يستعمر الدولة في الجزائر

أجرت الحوار سليمة غزالي

http://www.lanation.info

Lundi 18 Juillet 2011

تختلف أشكال الفساد السياسي من نظام حكم لآخر ولكنها كلها تنطلق من اغتصاب ممارسة الخدمة العامة مما يصرف النظر عن الحكم الأخلاقي إلى الإطار المؤسساتي والسياسي حيث يعشش هناك تشابه  بين الخليفة في الجزائر والمطري ومبروك في تونس  وأحمد عز في مصر ورامي مخلوف في سوريا. وتجمع قواعد اللعبة السائدة في الجزائر كما في الأنظمة العربية الأخرى شروط البيئة « الطبيعية » للفساد. إن مسألة الفساد تحتل مكانا مركزيا في خطاب وديناميكية التمرد في العالم العربي. وهناك مثل ناجح لمحاربة الفساد للحكومة الديمقراطية لهونغ كونغ التي أنشأت في سنة 1974هيئة لمكافحة الفساد والتي أصبحت نتائجها المؤكدة مثلا.

س ـ في البداية هلا ساعدتنا أن نفهم أكثر في مسألة الفساد كموضوع للبحث؟

ج ـ من بلاطون إلى مونتيسكيو مرورا بمكيافيللي كان ينظر إلى الفساد في مرحلة ما قبل الحداثة على أنه تفسخ لنظام سياسي واجتماعي معين ومؤشر للصحة الأخلاقية للمجتمع، إن عبارة الفساد التي تنطوي على حكم أخلاقي شكلت مشكلا مفهميا جديا للعلوم الاجتماعية، فإذا كان رهان تحديد المفهوم شغل الموجة الأولى للأعمال التي تدور حول الموضوع (1950 ـ 0 7 19) لجزء كبير من الكتابات المختصة. كان هناك جدل في البداية بين تيارين أساسيين، الأول أخلاقي يتقدمه كارل فريدريتش والذي يرى في الفساد عملا ضارا ينتهك الأخلاق المدنية ويهدد النظام الاجتماعي. والتيار الآخر « تصحيحي » طرحه روبير ميرطون ويرى في الفساد أداة لإدماج الجماهير الفقيرة في النظام السياسي عبر تبادل التصويت مقابل عطايا. والنموذجان لا يخلوان من مخاطر: إذا كان الأول مبالغ في الحكم الأخلاقي فإن الثاني باسم تحليل سياسي يقلل من الآثار الخبيثة للفساد على الاقتصاد، على الأقل بنفس مستوى النظام الاجتماعي والسياسي. وفرضت أربع أنواع من التعاريف نفسها منذ ذلك الحين، تعاريف للفساد التي ترتكز على الأعوان العموميين والمصلحة العامة والسوق والرأي العام. ولا واحد منها هو مرض تماما. ويرتبط الجدل حول تعريف الفساد السياسي ـ إن دققنا ـ مباشرة بالفكرة الضمنية التي يشكلها عن طبيعة وأهداف المجال السياسي. وكل تعريف للفساد يفترض في الحقيقة فكرة عن سياسة غير فاسدة . هذه الملاحظة ليست مرافعة من أجل نسبوية مشلة، توحي على العكس أن أشكال الفساد السياسي تختلف من نظام حكم لآخر. إذا كان شرح ظاهرة الهلع الذي يحصل في البورصة يتطلب فهم الحركة المنتظمة للبورصة، يمكننا إذن من منظور علم الاجتماع التفسيري الذي قدمه ماركس فيبر اعتبار أن النمط الخالص للبيروقراطية القانونية العقلانية نقطة انطلاق لتحديد مختلف أشكال الفساد.

س ـ مما سيؤدي إلى مفاهيم أكثر حداثة للفساد.

ج ـ  إن المفاهيم الحديثة للفساد التي تستلهم من هذا المسعى ترتكز على فكرة الأدوار العامة الواضحة، لها سلطات محدودة ومحددة بالتزامات غير مشخصنة. من هذا المنطلق حددت اتفاقية الأمم المتحدة ضد الفساد (أكتوبر 2003) والموقعة من طرف 129 دولة من بينها الجزائر حددت المعايير القانونية المحددة للطرف العام وإبرام الصفقات العمومية ، إنها تعكس توافقا ظهر في أدبيات حول الموضوع ترى أن هناك فساد عندما يكون طرف عام (أ) ساعيا لمكسب شخصي ينتهك قواعد الخدمة العامة (ب) لصالح طرف ثالث (ج) التي تدفع ل (أ) لكي تصل إلى ممتلكات وخدمات كان لا يمكنها أن تصل إليها بطريقة أخرى. التعريف الكامن يحتوي على ثلاث مكونات أساسية:

ـ مفهوم للخدمة العامة بقواعد ومعايير تسيير تتأسس وفق النمط المثالي لإدارة الدولة الحديثة أي الشرعية، اللا شخصية، الحياد، المصلحة العامة، وحظر اكتساب الوظيفة العمومية من طرف الموظف.

ـ الإدراك بأن الفساد يفترض انتهاك ممارسة الخدمة العامة لأنها تنجز المصلحة الخاصة على حساب المصلحة العامة.

ـ الفكرة بأن ثلاثة أطراف تندمج أو « تتأثر » بالتبادل الفاسد:

        ـ الموظف الذي يحتل الوظيفة لعمومية (أ).

        ـ المستفيد من هذه الوظيفة (ب).

        ـ والمستفيد الحالي من هذه الممارسة الخاصة للوظيفة العامة .

س ـ هل هذا هو المفهوم السائد في النظام القانوني القائم في الجزائر؟

ج ـ قانون العقوبات الجزائري مستوحى في هذه النقطة من نظيره الفرنسي. يعاقب جريمة الفساد في مواده من 126 إلى 134 والتي تعاقب سلوك الموظفين العموميين أو الأشخاص الذين يلتمسون أو يقبلون عروضا أو وعودا أو هدايا وامتيازات أخرى للقيام أو الامتناع عن القيام بالأعمال المرتبطة بوظيفتهم. وهذا المفهوم الذي ساد في النص الذي تلا التوقيع على معاهدة الأمم المتحدة ضد الرشوة في قانون 20 فبراير 2006 والمتعلق بالوقاية ومكافحة الفساد. إن فهم الفساد على أنه تبادل فاسد بين الموظف العمومي والخدمة العمومية (الدولة) وشخص ثالث (الراشي) ذات أهمية تحليلية أكيدة : هي تسمح من تحويل النظر عن الحكم الصادر بناء على معايير أخلاقية حول الأعمال الفردية نحو فهم سلوك الرسميين والزبائن داخل إطار مؤسساتي وسياسي.

س ـ إذا الفساد مرتبط ببيئة مؤسساتية وسياسية، وهو يتطلب شروطا سياسية لكي يتحول إلى ممارسة على نطاق واسع.

ج ـ الفساد ليس شيئا ينزل على مجتمع من الخارج وبصفة مفاجئة ككارثة طبيعية. لخص روبيرت كليتغارد المكونات الأساسية للفساد بجملة مقتضبة معروفة  » الفساد = الاحتكار + السرية ـ المسؤولية « . معادلة كليتغارد لها الفضل في تحديد الحالات التي تؤدي إلى الفساد الإداري ؛ لكنها لا تفسر لماذا ذلك الفرد أو ذاك يصبح فاسدا، ولا كيف يستجيب زبون لحوافز الفساد. إن التفسير السببي للفساد عمل صعب للغاية، هناك عاملان يجعلان هذه المهمة صعبة التحقيق: تعقد الظاهرة وصعوبة قياس انتشارها. وهناك ثلاث مقاربات برزت خلال السنوات الأخيرة :

1 ـ الأولى وهي سوسيولوجية تركز أساسا على ما سماه إليساندرو بيزورنو ب »الكلفة الأخلاقية » أي انعكاس استيعاب قيم الخدمة العمومية » من طرف الموظفين الإداريين ، بالنسبة للسوسيولوجي الإيطالي إن التغيرات في الكلفة الأخلاقية تفسر بالتطور الأخلاقي للمجموعة: كلما كانت الكلفة الأخلاقية مرتفعة كلما كان الفساد ضعيف الانتشار.

2ـ من وجهة النظر الاقتصادية فإن الفرد ، إنسان اقتصادي بطبعه يقوم ب »اختيار عقلاني  » باللجوء إلى الفساد عندما يجعل منه النظام المؤساستي للحوافز مفيدا.

س ـ إذن هناك اقتصاد الفساد؟

 

ج ـ اقتصاد الفساد له نفس طريقة التفكير: قرار الأفراد بتبادل فاسد هو نتيجة لحساب يستبق المزايا ـ أي الأرباح المنتظرة من التبادل الفاسد ـ والتكاليف، أي المبلغ للعقوبات المترتبة عن إمكانية إلقاء السقوط في يد العدالة. سوزان روز آكرمان وأنصار المؤسسة الاقتصادية أثْروا أفق اقتصاد الفساد بالتركيز على العوامل المؤسساتية والسياسية المحفزة: القوات المؤسساتية المحددة لتكاليف الوساطة السياسية؛ السهولة التي يدخل فيها لاعبون جدد أو مجموعات في النظام واحتمال الهزيمة الانتخابية؛ المستوى العام لتدخل الدولة في الاقتصاد؛ النجاعة النسبية للرقابات الإدارية والسياسية المختلفة؛ أشكال التنافس السياسي ؛ أنواع السوق التي يتم فيها الفساد.

3ـ المقاربة الثالثة المحللة لأسباب الفساد هي نظرية الألعاب. إن الاختيار بين الامتثال وانتهاك معايير الخدمة العمومية لا يرتبط فقط بالاختيارات الفردية والبيئة المؤسساتية ولكن أيضا بالتفاعل الاستراتيجي مع اختيارات يقوم بها أفراد آخرون.

كل ما كان الفساد منتشرا كلما قلت إمكانية التبليغ عنه من طرف أولئك الذين هم ضمن تبادلات غير شرعية، وستكون التكلفة التي يدفعها أولئك الذين يريدون أن يبقوا نزهاء أكبر. وبالعكس كلما كان الفساد هامشيا كلما أصبح البحث عن شريك موثوق به أمرا صعبا.

س ـ هل ترون علاقة بين الاهتمام بالتحليل العلمي لظاهرة الرشوة والتقدم الديمقراطي الذي تعرفه المجتمعات حول العالم.؟

ج ـ نعم ، هذه العلاقة موجودة فعلا وهي ترتبط بالوساطة السياسية لأن كل الحكومات التي تسمى ديمقراطية غير متساوية، فالحكومات الديمقراطية التي تكافح بصفة نشطة وبوسائل استقلال العدالة والمحاسبة والشفافية لها مصلحة في تنمية الدراسات المتعلقة بالفساد. إن نتائج الأبحاث ومكتسبات المعرفة تسمح بمقاربة أفضل للظاهرة، وتشكل هونغ كونغ في هذا الصدد مثلا ـ إن لم يكن ليحتذى به على الأقل ليمحص فيه ـ ، أريد أن أتكلم عن اللجنة المستقلة لمكافحة الفساد، فقد قررت الحكومة الديمقراطية لهذه المدينة الدولة إنشاء هذه اللجنة المستقلة سنة 1974 لمكافحة الفساد، اللجنة التي تتميز بالاستقلالية وتعمل في القطاعين العام والخاص تشغل بعقود 1200 إطار منهم مفتشون ومحاسبون وموظفون ومختصين في الإعلام الآلي وباحثين وهي تتشكل من 3 أقسام :

1ـ قسم العمليات وهو الذراع المسلح للجنة. يستلم الشكاوى 24 /24 على رقم هاتفي أخضر ويلتزم بأن يجيب عليها خلال يومين. وهو يضمن السرية وعدم التبليغ والحماية لأصحاب الشكاوى، وهو يقود التحقيقات وله الصلاحية في أن يرفع الدعوى أمام المحاكم، ويمكن للجنة في هذا الصدد القيام بالتنصت على الهواتف والوصول إلى الوثائق الجبائية والسجلات البنكية ورفع دعاوى ضد الموظفين عن الإثراء غير المشروع.

2ـ قسم الوقاية من الفساد الذي يقود دراسات لصالح الإدارات العمومية « تقوية الترتيبات القانونية وأنظمة الضبط إلخ »؛ وهو يقدم اقتراحات للسياسات العمومية وينظم ملتقيات وورشات حول الفساد ومكافحة الآفة وهو يقترح استشارة للمؤسسات الخاصة وحلقات عمل ودراسة حول أحسن الممارسات للوقاية من الفساد.

3 ـ قسم العلاقات مع المجتمع وغايته ترقية ثقافة الخدمة العامة الشفافة، وهو يقود حملات تربوية في المدارس والقطاع الخاص والمجتمع المدني كما يقوم أيضا بحملات تربية أخلاقية للشباب. ويتدخل القسم أيضا في نزاهة وشفافية الانتخابات.

وللجنة أيضا مركز دراسات وهو « مركز الدراسات المناهضة للفساد » ويقوم بأبحاث ودراسات عن الفساد ومكافحة الفساد بهونغ كونغ وفي العالم. وله أيضا أرضية للتبادل مع الجامعات المتخصصة والمنظمات الدولية المكافحة للفساد.

وتعد هونغ كونغ اليوم من البلدان الأكثر شفافية في العالم، وقد قدمت لها منظمة الشفافية الدولية تهانيها لأنها أنجزت مطار هونغ كونغ الضخم مع الاحترام الصارم لقواعد الأخلاق ودون تجاوز الميزانية. ..

وأنشأت الديمقراطية الإفريقية لبوتسوانا، التي استلهمت هذا المثل، هيئة مماثلة: مديرية الفساد والإجرام الاقتصادي. ولجأت إلى إطارات سابقة ل »ليكاس » اللجنة المستقلة لمكافحة الفساد لهونغ كونغ. وكانت النتيجة أن بوتسوانا لم تغرق في حرب أهلية بسبب الغنى الماسي كما تقوله أطروحة « لعنة الموارد »، وهي بلد ديمقراطي. يمكن إعطاء أمثلة أخرى مثل العمل الذي قاده رئيس بلدية لاباز في بوليفيا والسياسات المنتهجة في البلدان الاسكندينافية ونيوزيلاندا إلخ.. لكن على العكس، لا تنتظروا من نظام يشكل التسلط والفساد دواليب نظام الحكم فيه أن يتبع هذه الأمثلة.

س ـ التسلط والفساد، تريدون إقامة جسر مفهمي بين الاثنين؟ إلى أي حد ترون هذا المسعى مؤسس مادام الفساد لا يستثني المجتمعات الأكثر ديمقراطية؟

 

ج ـ هل يمكن تأويل بنفس الطريقة مبلغ مماثل من الرشوة مأخوذ أحدهم في مجتمع فيه الفساد استثناء والآخر في نظام فيه الفساد قاعدة؟ إذا كان الفساد ظاهرة عالمية فإن أعراضه تختلف. قد تكون كبيرة هنا وصغيرة هناك، عامة في بلد وقطاعية في بلد آخر، شخصية في مجتمع ومؤسساتية في مجتمع آخر. في بعض الأنظمة يقوم الفساد في ظل التأثير الذي تمارسه مصالح خاصة على المؤسسات العامة. في أنظمة أخرى يتجلي الفساد عن طريق استيلاء القادة المدنيين والعسكريين على قطاعات كاملة من الاقتصاد. في بعض الأنظمة الملكية تستحوذ العائلات الحاكمة على جزء هام من النفقات الحكومية. في بعض الأنظمة الأخرى يشكل الفساد بديلا عن العنف في حين أنه في أنظمة أخرى يكون مرتبطا به. يمكن أن يكون الشكل المهيمن في نظام ما في حين أنه في أنظمة أخرى سيكون الابتزاز أو تضارب المصالح والتهرب الجبائي والضريبي هما المهيمنان.

س ـ هل يتم تحليل الفساد حسب الأشكال التي يأخذها أم أيضا حسب مداه ونطاقه؟

 

ج ـ السؤال هو أن نعرف لماذا تبدو أعراض الفساد مختلفة جدا ؟ الفساد الذي يدرس على خطى مايكل جونستون كـ « مشكل مرتبط بالنظام السياسي » يطرح أسئلة أساسية بين السلطة والثروة والعام والخاص. كيف تؤثر الترتيبات المؤسساتية والمصالح المتنافسة في مسار تراكم السلطة والثروة؟ إن فهم الفساد السياسي يتطلب إذا، بغض النظر عن الترتيب الكمي للبلدان حسب مستوى وتقدير الظاهرة، تحليلا نوعيا للأنظمة التي تنتشر فيه. إذا فهم الفساد لا يمكن فصله عن تحليل المؤسسات السياسية.

س ـ في دراستكم النظام السياسي هو التسلط ؟

 

ج ـ إن مفهوم التسلط الذي صاغه خوان لينز أواسط الستينيات لدراسة نظام فرانكو سمح بتقدم مهم: الفهم عن طريق نموذج مثالي للأنظمة التي ليست ديمقراطية ولا هي شمولية ، إن مجال الأنظمة التسلطية واسع ويشمل داخله اختلافات. ومن المنهج الحسن لكي نفهم الاختلافات أن نطور فضلا عن « النماذج الفرعية » تحليلات للمؤسسات السلطوية.

س ـ هذا ما تقومون به منذ…

 

ج ـ نقطة انطلاق البحث الذي أقوم به منذ 2002 حول الفساد كانت سوسيولوجية (سوسيولوجية الشبكات، وتمدد الفساد من الأسفل إلى الأعلى ومن الأعلى نحو الأسفل من « الدولة الريعية ») ، مع تقدمي في البحث أدركت عاملين مثيرين :

ـ استئناف دوامة أعمال الشغب في أوج النعمة البترولية أدى بي إلى إعادة النظر في أحقية الحجة المركزية لمفهوم « الدولة الريعية »: لماذا لا يسمح توزيع الريع كما تدعي ذلك نظرية « الدولة الريعية » بشراء الموافقة والتأييد الشعبي؟

ـ كيف يمكن تفسير انتشار ظاهرة الفساد في أنظمة غير ريعية كالمغرب وتونس. فالفساد إذا مستقل عن الريع البترولي. والنموذج الوحيد الذي يعالج بصفة غير مجدية مسألة الفساد في العالم العربي هو للدولة الريعية، ولكن هذا المفهوم أظهر الآن ثغرات كبيرة ، كان من الواجب استئناف التفكير من منظور السوسيولجية السياسية المقارنة.

س ـ إن تمرد المجتمعات العربية ضد أنظمة سلطوية أبرز على الساحة العامة أنظمة أكلها الفساد؟

 

ج ـ كيف يمكن شرح التشابه الملفت بين التيكونات: الخليفة في الجزائر والمطري ومبروك في تونس وأحمد عز في مصر ورامي مخلوف في تونس؟ لماذا يقدم أوليغاركي جزائري مجموعة أومنيوم شمال إفريقيا التي هي مجموعة المخزن المغربية كمثل يجب الاقتداء به؟ إن الكتابات حول التسلط في العالم العربي واسعة جدا، ومع ذلك لا تقول شيئا عن الفساد. باستثناء بعض الأعمال النادرة فإن الفساد السياسي في المغرب والمشرق مازال لم يتحول بعد إلى موضوع دراسات في العلوم السياسية في هذه المنطقة، وهذا يعني أن مجال فهم الفساد الذي يتم في العالم العربي هو شبه خال. لماذا أنظمة تبدو متباينة جدا كالمغرب والجزائر وتونس ومصر وسوريا تنتج بمراكزها الأوليغاركية الخاصة شكلا مشتركا من الفساد. أرباب أعمال مرتبطون بصفة وثيقة بالحكام؟ كيف يمكن فهم الصعود المفاجئ لهذه المجموعات بصفة مجردة عن المؤسسات السياسية التي تحكم هذه الدول؟ إن أفق بناء جسر مفهومي يطمح أن يسد هذه الثغرة: أن يقيم الرابط التحليلي بين منطقتين من المعرفة تركتها العلوم السياسية المطبقة في هذه الجهة بعيدة عن بعضها: الفساد السياسي والمؤسسات السلطوية.

س ـ هل هناك نموذج جزائري للنظام السلطوي؟

 

ج ـ  النظام الجزائري هو من نموذج البريتوري، حيث أن المسار السياسي في الجزائر منذ الاستقلال إلى اليوم محدد مسبقا من القيادة العليا للجيش. إنه ليس نموذج تختص به الجزائر ونجده في العالم العربي وفي تركيا إلى وقت قريب وفي يونان الكولونالات وفي كاوديوات أمريكا اللاتينية وفي باكستان وفي أماكن أخرى. يمكن لجيش أن يكون غير بريتوري. الجيوش البريتورية يمكن أن تكون على شكلين: الجيش البريتوري الذي يكون الحكم والجيش الذي يسير ويمكن أن تؤدي الأولى إلى الثانية، في النموذج الأول  الجيش وهو يحاول المحافظة على احترافية المؤسسة يميل إلى فرض حدود زمنية لممارسة السلطة العسكرية، وهو يريد العودة إلى الثكنات فهو يفضل التأثير على حكومات مدنية « مقبولة ». بالنسبة للجيش البريتوري الذي يرى في نفسه « البديل الأوحد » ل « الفوضى السياسية » فإن مسألة العودة إلى الثكنات لا تطرح أو تطرح بصفة نادرة. وهو يعمل على المحافظة على سلطته ويحرص على إضعاف السياسيين والمجتمع المدني، وقصد تعظيم قوته يشكل نفسه كمنظمة مستقلة ويعمل ـ وإن اقتضى ذلك التضحية بالاحتراف ـ بالتلاعب بالأطراف الأخرى.

س ـ هل لهذا تأثير على تنامي الفساد؟

 

ج ـ  تتطلب البيئة « الطبيعية » للفساد (حتى نأخذ بقول دوناتيلا دي لابورتا وألبيرتو فانوتشي) « شروطا سرية حصرية قليلة الشفافية أو منعدمتها وذات كلفة عالية للابتعاد ». في الجزائر المؤسسات وقواعد اللعبة القائمة كما هو الحال في الأنظمة العربية الأخرى تجتمع البيئة الطبيعية للفساد، ويمكن تلخيصها فيما يلي: تمركز وممارسة السلطة بدون حساب؛ إضفاء الطابع المؤسساتي على الاحتكارات؛ الإضعاف المؤسساتي للدولة والمجتمع المدني؛ ممارسة سياسة الأعمال القذرة. منطق الفساد السياسي والترتيبات المؤسسية مهيكل ويغذي في الجزائر كما في البلدان العربية الأخرى علاقات حميمية بينها: فإذا كان التسلط يفرض تمركز السلطات (بين أيدي بعض الأفراد أو المجموعات) فإن انعدام المحاسبة والضعف المؤسساتي للدولة يوفران من جهتهما البيئة المثالية لتنامي الفساد. هناك ضغط قد يكون مزعزعا يعمل داخل النظام في العمق: ويسمح ريبيرتوار الفساد السياسي بالطبع تدجين النخب وتحييد الصراعات الطبقية (عبر الشبكات المحسوبية لتوزيع الأرباح) غير أن نظام الفساد الذي يسن برامج تنمية بنفس القدر من توزيع الموارد يولد سوء التنمية ويوسع الفروقات الاجتماعية التي تغذي بدورها الاستياء والغضب من المستبعدين والمهمشين.

س ـ تقدمون قضية الخليفة كأنها قضية نموذج لظاهرة الفساد في الجزائر. من أي جانب هي كذلك؟ هل في طريقة الأداء أم في تسيير المحاكمة؟

ج ـ القضية هي بالفعل معبرة عن نظام الفساد السائد في الجزائر وهي تسمح في الأساس أن نفهم بطريقة أفضل البيئة المؤسساتية التي يزدهر فيها الفساد في هذه البلاد. لكي نفهم صعود ضمن نظام المحسوبية الجزائري لابن لعروسي خليفة (الذي كان على التوالي إطارا سام في المالق، وزير الصناعة والطاقة، مدير لشركة الخطوط الجوية الجزائرية وسفيرا في لندن) يجب الرجوع إلى الظرف الذي سمح بانطلاقة ما يمكن الآن تسميته بعملية الخليفة. يغتنم الحكام عملية تعيين « رئيس مدني » ليحاولوا تحسين هيبة النظام التي كانت ملطخة بالطبع بعشر سنوات من الحرب القذرة والتي كلفت أكثر من مائة ألف قتيل وثمانية ألاف مفقود حتى يسوقون صورة جديدة للنظام: صورة بلد يعيد بناء نفسه منفتحا ومتوجها نحو المستقبل حيث يمكن للرأسماليين أن يزدهروا في ظل السلم والسوق. رفيق عبد المومن خليفة ابن الذوات عين للقيام بهذا الدور: « القصة الناجحة » ل »لطفل الذهبي » كرمز « للجزائر التي تفوز ».

س ـ ألهذا السبب تتكلمون عن عملية الخليفة؟

 

ج ـ إن فبركة « امبراطورية الخليفة تنم عن معرفة حميمية بالدواليب المعقدة والمظلمة للنظام الجزائري والتي لا تتاح إلا بعد ممارسة طويلة لحقيقة السلطة. إن الصعود الملفت لبنك الخليفة هو نتاج مصنع نظام الرعاية والفساد الذي يحكم البلاد. إن النجاح الفوري للبنك الخاص كان مرتبطا بالتدفق المستمر للودائع الذي كان المسيرون ـ المعينون والقابلون للطرد من الرعايةـ للمؤسسات العامة الكبيرة والمراقبة جيدا كانوا حُثُّوا سواء بالضغط أو بالمبادلة الفاسدة أن يضعوها في بنك الخليفة.

وقد وصلت قيمة هذه الودائع العامة إلى ما مقداره 1،4 مليار أورو في فبراير 2003. ثم كان ذلك الفصل الثاني من مسرحية الخليفة: جعل مجموعة ضخمة في الفلك تطمح أن تتحكم فروعها مجتمعة في النقل الجوي (خليفة طيران )، وسائل الإعلام (تلفزيون الخليفة)، تأجير السيارات الفخمة (خليفة رانت كار)، والأشغال العمومية (خليفة للبناء ) إلخ.

س ـ وهل البنك هو قلب هذا الترتيب؟

ج ـ في ظل المجموعة الغامضة للخليفة يؤدي البنك وظيفة مركزية: دور مضخة تشفط الودائع العمومية قبل أن تضخها في قنوات تحويل العملة والصكوك المتناوبة في الفروع الموجودة في الخارج. إن تنامي عمليات التجارة الخارجية المعطاة لخليفة طيران تغطي بفضل الانهيار المؤسساتي المبرمج وشبكات التواطؤ داخل الإدارة العليا للدولة  عملية واسعة ممنهجة لتهريب الرساميل. كان على مجموعة الخليفة (شريك سنة الجزائر في فرنسا ) في 2003 باستثماراتها المبهجرة تجميل صورة النظام الجزائري.

س ـ مثلا؟

 

ج ـ هناك أمثلة معبرة، رعاية بقيمة 15 مليون أورو لمدة 5 سنوات لفريق أولمبي مرسيليا، استئجار 18 آيرباص التي بقيت في الغالب مسمرة على أرضية المطار، شراء قصر في كان ب 35 مليون أورو والذي أقيمت فيه الحفلة الشهيرة لانطلاق تلفزيون الخليفة بحضور نجوم الفن والمال ورجال السياسة الفرنسيين إلخ. وحتى تجمل صورتها في الجزائر واصلت المجموعة سياسة محسوبية وفساد على نطاق واسع: تقديم هدايا للأعضاء المهمين من النخبة الحاكمة؛ تقديم أجور من ثلاثة إلى أربعة أضعاف الرواتب السارية في البلاد لأبناء النومونكلاتورا والارستقراطية العمالية، سقي أرباب الصحافة الخاصة بمنح بالعملة الصعبة، رعاية الفدرالية الجزائرية لكرة القدم، توقيع اتفاقيات لتخفيض أسعار تذاكر خطوط الخليفة مع مديرية الأمن الوطني والجمارك، تموين مؤتمرات وزارية.

س ـ وهل هذا يكفي لصناعة الإبن الذهبي؟

 

ج ـ في الجزائر حيث تزدهر البزنسة في ظل العنف السياسي والتحرر الاقتصادي للتسعينيات جعلت الأعمال الاستعراضية « للملياردير الجزائري الشاب  » من رفيق عبد المومن خليفة (والمدعو مومن للمقربين) محل استهواء جماعي. فرجل الأعمال الذي يثني عليه الحكام والمعشوق من النخب كما من الجماهير تحول بعد عشر سنوات من « المأساة الوطنية » أسطورة موحدة للبلاد، ولكن هناك ماهو أكثر:  إن الذين قاموا بعملية الخليفة أكثروا من ظهوره العام كـ « بطل الرأسمالية الجزائرية مع أعلى سلطات البلاد، في نظام حكم يطلق باستمرار رسائل مشفرة فإن ظهور الخليفة مع أكبر قادة الدولة مؤشر على متانة الروابط بين رجل الأعمال و »أصحاب القرار » في البلاد. في حين أن الخليفة كان يُزوّر الحصائل المالية. يكون قد حول بين 1999 و2003 وبصفة غير شرعية من الجزائر نحو الخارج ما يقارب 689 مليون أورو منها 289 861 525,72  أور نحو فرنسا .

س ـ كل ذلك في ظل عدم أي رد فعل مؤسساتي؟

 

ج ـ ماهي سلسلة المسؤوليات المتورطة في هذه القضية الكبرى للفساد؟ إن دراسة المرسوم 96ـ 22 المتعلق بقمع مخالفات تشريع فيما يخص العملة وحركة الرساميل من ونحو الخارج المؤرخ في 9 جويلية 1996 والذي ينزع من حاكم بنك الجزائر صلاحية تقديم شكوى لانتهاك تشريع الصرف لصالح وزير المالية هي الأداة القانونية التي تسمح بتحديد سلسلة المسؤوليات المتورطة في قضية الخليفة. تحدد المادة السابعة الهيئات المخولة لملاحظة مخالفات الصرف : ضباط الشرطة القضائية، أعوان الجمارك، موظفو المفتشية العامة للمالية، الموظفون المحلفون للبنك المركزي، الأعوان المكلفون بالتحقيقات الاقتصادية وقمع الغش. في حين أنه بغض النظرعن التفتيشات التي قام بها البنك الجزائري لم تقم أي مؤسسة مخولة بملاحظة مخالفات تشريع حول نقل الرساميل بتحقيق حول نشاط التجارة الخارجية لمجموعة الخليفة بين جويلية 1998  وديسمبر 2002 بما في ذلك الشرطة القضائية التابعة لمديرية الاستعلامات والأمن والشرطة السياسية التي جعلت من التحقيقات حول الفساد الكبير « مجالها المخصص ». بين هذا وذاك كلفت « فضيحة القرن » للخزينة العمومية خسارة قدرت رسميا ب 1،5 مليار دولار. ويكون الضرر حسب مصادر غير معلنة أكبر بكثير. أما المحاكمة فكانت تماما مماثلة لقواعد اللعبة السياسية الجزائرية.

س ـ مامعنى ذلك؟

 

ج ـ  1ـ تطهير الملف : الحذف ـالذي تم مباشرة بعد انفجار الفضيحة من طرف مسير مؤقت عينته الحكومة على رأس بنك الخليفة قبل أن يعين على رأس بنك عمومي عام ـ لبعض الآثار المورطة ك الودائع التي قامت بها مؤسسات دولة هامة في البنك الخاص.

2ـ تفتيت الملف: ففي حين أن الحقائق بما في ذلك التي ظهرت خلال المحاكمة بالمحكمة الجنائية بالبليدة تظهر جليا أن فرع النقل الجوي للمجموعة كان بمثابة غطاء لتهريب الرساميل من البلاد نحو الخارج فإن الادعاء العام أخرج القضية المتعلقة بطيران الخليفة وحدد بعناية نطاق المحاكمة في الشباك المركزي لبنك الخليفة. استدعاء وزراء وموظفين سامين ك »شهود » في حين أن مسؤوليتهم القانونية كان من المفروض أن تجعلهم في فئة » المتهمين ».

3ـ تصفية الحسابات: وذلك يظهر بجلاء في اختيار كباش الفداء.

القضايا التي تلت هذه الفضيحة مثل تونيك وبي أر سي لا تخرج عن هذا النمط. فتحقيقات « الفساد » التي كشفتها الصحافة في 2009 و2010 تحت الراية العجيبة ل « حملة الأيادي النظيفة » لا تخرج عن قواعد اللعبة السياسية الجزائرية: تقودها الشرطة السياسية وليس قضاة مستقلين وتستهدف بصفة شبه كلية عصبة معينة، عصبة رئيس في حالة انتهاء. تعطي هذه الحالات عبرتين: أولا الفساد السياسي هو وسيلة لتسوية الصراعات.

ثانيا : وتيرة وحجم الجرائم الاقتصادية لهذه السنوات تؤكد أن الفساد في الجزائر يستعمر الدولة ويفرض نفسه على الفاعلين كمعيار قصري وهو نتاج نظام حكم.  

س ـ الكشف عن حجم الفساد في أنظمة بن علي ومبارك صدمت وبقوة الرأي العام في البلدان العربية. هل تظنون أن هذا سيؤدي إلى مطلب أخلاقي أكثر دقة في مجال الحكم؟

 

ج ـ التعبئة الشعبية التي يعرفها العالم العربي منذ ديسمبر 2010 تؤكد المقاربة التي أتبعها والتي تهدف إلى بناء جسر مفهمي وتحليلي بين المؤسسات السلطوية والفساد السياسي. وتبرز الحالات التونسية والمصرية والسورية فعلا من جهة الروابط الهيكلية بين الفساد السياسي والمؤسسات السلطوية ومن جهة أخرى الطابع المركزي الذي يحتله الفساد في خطاب وديناميكية المعارضة. إن عزم التونسيين والمصريين والبحرينيين والسوريين واليمنيين في التنديد في نفس الوقت برموز التسلط والفساد تؤكد على ما يبدو فرضية العمل هذه، فالمعركة ضد الفساد هي بكل تأكيد في قلب المطلب المعبر عنه من طرف الشعوب الثائرة لإعادة تأسيس أخلاقي لنظام الحكم.

س ـ هناك قادة اليوم متابعون أمام الهيئات الدولية لأعمال كانت تعتبر لعشرين سنة خلت من باب استرجاع الأمن. هل يمكن أن نتصور وقتا سيحاكم فيه القادة عن جرائم اقتصادية أمام هيئات قضائية دولية؟

 

ج ـ نأمل ذلك، على الرغم من أن اللعب الملتبس لبعض الحكام الغربيين لا يذهب في هذا الاتجاه. وهذه النهاية مرتبطة كثيرا ـ والقادة السلطويون واللصوص يعرفونها أكثر من الآخرين ـ بنجاح المسارات الثورية التي انطلقت في العالم العربي منذ استشهاد البوعزيزي.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s