مولود معمري خلال الحرب

يثير مولود معمري جدلا، وهو محل إحدى التهجمات التي أصبحت عرفا والتي لا تتطلب حدتها الاستنكار فسحب بل أيضا الدراسة، فمن غير الممنوع أن نتصور أن هناك، ربما، مجال في النقد حيث تحب العبقرية الجزائرية أن تتميز فيه وهو إقصاء الآخر. وموضوع هذا الإقصاء ليس الحس الجمالي ولا الأدبي ولا حتى على مستوى الأفكار، موضوع هذا الإقصاء هو الجزائريانية وهي ظاهرة تتطلب مُساءلتها الهدوء والروية. إن الذين يشككون في جزائرية الآخرين ليسوا بالضرورة متعصبين أشداء أو جهلة وهم بالتأكيد يعبرون عن نوع من الانزعاج، وهذا الانزعاج له معنى ليس بالضرورة المعنى المتفق عليه والذي يقسم العالم بين أخيار وأشرار بشكل قطعي . 
اخترنا أن ننشر هذا الأسبوع نصا لمولود معمري يعود إلى أكتوبر 1956 والذي لا يتم العثور عليه بسهولة: « رسالة إلى فرنسي ». إن محاكمته للاستعمار ; صارمة ومقلقة بالنسبة لنا، نحن الذين نحتفل بعيد الاستقلال الوطني في الرزنامات أكثر منه في الواقع، مقلقة لأن العالم الاستعماري الذي يصفه معمري يشبه في كثير من الجوانب العالم الذي نعيشه اليوم وخاصة ذلك التحقير الطاغي. هل من الصدفة أن يجد مولود معمري نفسه في هذه الرسالة مضطرا إلى التعبير عن فظاعة الاستعمار بأن يكتب إلى أحد أصدقائه، وهو جان سيناك، الذي دافع دوما عن جزائريته مخاطبا إياه على أنه « فرنسي » ؟ ومادامت إنسانية مولود معمري ليست محل شك في هذا الإبعاد فما الذي حركها يا ترى؟

رسالة إلى فرنسي

عزيزي جيروم  *

بدت لي رسالتك وكأنها قادمة من الشِّعرى اليمانية، لكون اهتماماتها هنا بدت جد غريبة. هل ما تزال هناك بلدان حيث يهتم الناس بأشياء ممتعة غير ضرورية كالأدب والأدباء..
أنتم أناس سعداء، يا جيروم، على ضفاف السين. هنا يموت رجال وتموت نتانة وتموت عفونة. كما تولد آمال أيضا كل يوم، آمال عنيدة، مصرة، رتيبة وخافتة، متجذرة وحقيقية إلى حد أن نقبل الموت من أجلها، وحتى يكون أمل موتى اليوم هو واقع أحياء الغد. يطلع النهار كل يوم بكومته من الجثث وجرعته من الحماس وأنت تكلمني عن الأدب…

لا، منذ أكثر من سنة لم أكتب شيئا ، لأنه لا شيء يبدو لي جدير بأن يكتب، لا شيء سوى المأساة الكبرى والدموع ودماء الأبرياء(كل الأبرياء الذين يدفعون خطأ المجرم الأكبر الوحيد، الاستعمار والذي هو هنا خطيئتكم الأصلية الثانية)، وأيضا بالطبع الحماس والأمل العنيد وكل ما يخرج من آلام الولادة ( وآمل أن يخرج قريبا) في هذه الأرض طيب دائما.

حاليا، نشاطات تسعة ملايين من الجزائريين محدودة وتفاجئك بساطتها. في أي جانب كانوا، يكتفي الجزائريون بعد موتاهم. وهو ما لا يتم بسرعة دائما، قد يحدث ذلك عندما يكون الموت جثة: إنه يُرى بسرعة؛ له شكل وله اسم وله أهل يبكونه وأصدقاء يريدون الانتقام له، وهناك أناس شرفاء يجدون أن موته كان ظلما وبأنه جثة غير مجدية، إهدار إنسانية، هناك من هم كما هو عندما كان حيا والذين يعصر الخوف أحشاءهم لأنهم يتساءلون لماذا كان هو؟ وإن لم يكن غدا دورهم؟ ( هؤلاء هم الأكثر خطورة لأنهم بقدر خوفهم من الموت ينشرونه بسهولة: المنتقمون، الدمويون، هم دائما، لأنهم يظنون أنهم يقتلون خوفهم نهائيا بقتلهم شخصا وأن الحركة العصبية والخاطفة التي يضغطون بها السبابة على الزناد ستخلصهم من الآخر، أي كل ما هو معاد، أي حل المشكل الجزائري. فلنقتلهم جميعا، إنها جملة نسمعها هنا ولكن أنت وأنا نعرف جيدا يا جيروم أنه بعد أن نكون قد قتلناهم سيكون آخرون وسيكونون دوما في حالات كهذه…)

ولكن عندما تكون أوهام ميتة ومحبات ميتة هي التي نَعُدُّ فالعملية صعبة. إنهم أموات لا يمكن أن نصبر عليهم، كالآخرين طبعا، لكننا متيقنون أن الآخرين لن يعودوا؛ فبعد أن يدفنوا لا يبق هناك شك: نحن متحضرون ونعرف أن الأرواح لا تعود. إنها ميتات منتهية، أريد أن أقول بأنها محددة الجوانب بشكل واضح.
لكن الميتات غير المعرّفة، ميتات لا متناهية لأشياء حبيبة والتي عندما تُقتل من حولنا تصر على البعث من جديد في ركن من قلوبنا، من سيخلصنا منها، من سيواسينا ومن يشفينا منها ؟

وعن فرنسا، كثير هنا كان لهم الضعف ( هل يمكن أن نقول هنا الحظ ؟) أن يحبوا بعض الأشياء والتي منذ أكثر من سنة تقتلها الأيام بصفة أكيدة وبشكل أعمق كل مرة. كل الكلمات التي وصلت حد الإهتراء عندكم والتي،أعرف ذلك عن تجربة، تثير على شفاهكم دوما ابتسامة ساخرة ومُشفِقة في نفس الوقت، جميع الكلمات التي تقرون منذ زمن طويل أنه ليس غير السذج من مازال يؤمن بها، وآمنا بها نحن بسذاجة: الأخوة، الإنسانية، التحرر، الأجمل بكثير من الحرية، التي أجرؤ على ذكرها بالكاد بدون خجل، ولكن ما عساي أن أفعل؟ كتّابكم وشعراؤكم وفلاسفتكم تكلموا عنها بالنبرة والبلاغة وحتى بالنغمات التي أحبها. إلى درجة أنني أغريت، بل أكثر من ذلك، بإغراء عنيد. لقد حدث الضرر. لا توجد سلطة في العالم يمكنها أن تجعلني مرة أخرى (وكثيرون معي ) إنسانيا، أخويا، ومتحررا الذي هو أجمل من حر، لأن هؤلاء الأموات نحن البعض، نحن الكثير، نحن كل الشعب الجزائري، وأنا متأكد أن جزءا مهما من شعب فرنسا لا نريد أن نتقبلهم. يكفي بالنسبة لنا أن الآخرين يكلفوننا كثيرا من الدموع.

أرفض أن أصدق أن يرتبط مصير فرنسا مع أي هيمنة استعمارية على جمع من البشر، لقد جعلتم العالم يؤمن بأن طرفي العبارة يقصي أحدهما الآخر: والعالم أخذكم على كلمتكم. لا يمكنكم أن ترجعوا عن كلمتكم وإن أخذتم بإحدى العبارات فعليكم بنبذ الأخرى في نفس الوقت: بين الاستعمار وفرنسا يجب الاختيار.

لأنه في المستعمرات، وأنت تدرك ذلك جيروم، كل شيء يصبح استعماريا. أي غير إنساني، وهذا عدل: النظام يُدافَع عنه أو يؤخذ برمته. لا يمكن أن يكون هناك مجال مخصص للإنسانية، ولا يوجد ما هو أكثر حقارة وإيلاما من التبشير في بلد مستعمر. فالمستعمر لا يضرب غير الجسد على الأقل، وهو يكسر الروح في نفس الوقت طبعا، ولكن بصفة ثانوية، وليست هي غايته الأولى، أما المبشر (المتدين أو العلماني، الكاهن أو المعلم) فهو يدمر الروح بصورة دقيقة فهو يحمل، غالبا أحسن النوايا، الكلمة الطيبة والمبادئ الكبرى إلى أناس حياتهم هي إنكار يومي ومأساوي للكلمة الطيبة والمبادئ الكبرى.

تصل تعاليم السيد المسيح، الذي جاء لإنقاذ البشر، كل البشر والمستضعفين منهم على وجه الخصوص، إلى الأفارقة علي نفس السفن التي تحمل المستعمِر والإداري وماء الحياة. وللأفارقة إحساس غامض (هل هذا خطأ؟) بأن كل هذه العناصر مترابطة، وأنها وراء وجوه مختلفة هي القطع الأساسية لآلة الطحن. قد يتمكن الكاهن من إخماد صرخات ضميره بإقناع نفسه في نفس الوقت بأنه يصنع « زنوجا طيبين » للمستعمرين، فهو يربح أرواحا للسماء؛ من الصعب في المستعمرات أن تخدم قيصر والله معا؛ إن الذي يربحه الأول يخسره الثاني. وفي المستعمرات قيصر لاعب شاطر.

وبعد هذا، أن تَعِدَ « الزنجي الطيب » بالسماء وتُصبِّره على بؤسه في هذا العالم بأمل فوزه بسعادة مطلقة في العالم الآخر قد يبدو له خداعا فجا: لماذا يخاطر المعمر الذي تربطه علاقات ممتازة بالمبشر بنصيبه من السماء يوميا بجشعه في امتلاك خيرات هذا العالم؟ ألم يخلق الله فضيلة الزهد لغير الزنجي؟ هل خصص الله السماء كلها للزنجي؟ أعرف أنني أُبَسِّط وأن كل العرب ليسوا خرافا وديعة يسهل جزها، وأن الكنيسة وجدت من وقت قريب طريق السيد المسيح وصوته وأن رجالا أتوا لهذه البلاد تحدوهم الرغبة في جلب القيم الحقيقية لفرنسا. ولكنك فهمتَ جيدا، أليس كذلك، أنه ليس الرجال من ألوم وإنما النظام.

النظام، لأنه تراجع للحضارة وللإنسان. هذه الضفاف المتوسطية التي أَلِفت الأنفاس العليا للروح والتي ازدهرت عليها إنسانية تيرانس وعمق أوغستين وعبقرية هنيبعل وسلم عبد المومن ونور ابن خلدون أصبحت الآن عقيمة. لا يمكن أن نخدم إلــهين: عبادة الكرمة لا تسمح بعبادة أخرى، التهمت الكرمة كل شيء: الأرض أولا والبشر بعد ذلك. وما جدوى سرد الأرقام لنبرز أنه يولد كل سنة بشر أكثر في هذه البلاد؟ لا يُعد البشر كما تعد رؤوس الماشية أو جذوع الكروم: يوزن البشر بمقدار إنسانيتهم .  لا يهم أن يولد كثير من الرجال إن كانوا يولدون ميتين.. أخذت الكرمة كل شيء: كل الهواء وكل المجال وكل تعب الزنود وكل أحزان الرجال، وكل حبهم أيضا. حيث تنمو الكرمة ينضب الرجال.

ينضب البشر، لأن ولا واحدة من الأحاسيس التي ترافق حتما النظام الاستعماري هي إحساس بالغبطة، وتوجد كلها في المنطقة الأدنى، الأكثر سلبية، والأكثر بشاعة في الإنسان. الرجال الذين يزهرون في النظام الاستعماري هم المحتالون والمزورون والمارقون والمنتخبون المصطنعون، بلهاء القرية، الرديئون، الطامحون الخواة، المطالبون بأكشاك التبغ، مخبرو الشرطة، القوادون البؤساء، القلوب البائسة. لا وجود في النظام الاستعماري لقديس ولا لبطل ولا حتى لموهبة متواضعة. لأن الاستعمار لا يحرر، بل يُكرِه، إنه لا يرفع، بل يقهر، لا يُمجِّد، بل يُيئس ويُعقم؛ إنه لا يسمح بالتواصل، بل يفرق ويعزل ويحبس كل إنسان في عزلة بلا أمل.

لقد ولّد الغزو الاستعماري شكلا خاصا من العلاقات بين البشر: الاحتقار، لا أعني الاحتقار الفردي الذي قد يكون مؤسسا (كاحتقار شخص حقير) ولكن الاحتقار الغبي لعرق كامل وشعب، الاحتقار الأعمى الحيواني. ولكن القوة والاحتقار؟ إسمنت هش جدا للذي يريد أن يبني حضارة ويريدها أن تدوم.

*ويقصد جان سيناك. كتبت الرسالة بالجزائر في 30 نوفمبر

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s