FFS

 

لقد نجح النظام في خلق ثنائية قطبية ككل المرات. « مع » أو « ضد » العهدة الرابعة، مع العمل على دفع المعارضين للرئيس الى المتر شح البديل الذي وضعه في السباق. كالعادة، لم يترك أي مجال لطرح أخر يخرج عن قاموسه السياسي و الاستراتيجي ليبعث الامل بين المواطنين. لقد أغلق اللعبة عن نفسه و عن الاخرين، مساندون أو معارضون علي حد السواء. فبقدرة قادر، صار الكل في أخر المطاف يدور في نفس الفلك « المتعفن »…

النظام هو من جاء بالرئيس بوتفليقة في 1999 ليمكنه من المرور من السياسة الاستئصالية الى ما سماه بالمصالحة الوطنية. فرغم انسحاب « الستة » في سابقة لم تعرفها الانتخابات الرئاسية من قبل، أصر النظام على تنصيب الرئيس و منحه زمام الحكم ليأخذ على عاتقه الاتفاق السري البرم بين جماعة المخابرات و أمراء ما كان يسمى بالجيش الاسلامي للإنقاذ.

بعد 15 سنة، هاهو يتهجم عليه و يدافع عنه فى الوقت نفسه، مربكا الساسة و المحللين معا. حقا، انها حالة سياسية غير مسبوقة و التى بوسعها تغليط من يحصر السياسة في الاخبار و الانطباعات التى تسربها جهات محترفة من النظام. و في السياق نفسه، يحاول الاقفال علي قوى التغيير و يحاصرها مستغلا ضعف الثقافة السياسية في المجتمع و انسياق الكثير من النشطاء وراء لعب أدوار مخولة و أخيرا تمكنه من الساحة الاعلامية عامة كانت او خاصة باستثناء القلة القليلة.

لمحاولة فهم المشهد السياسي، أقترح الوقوف على المخطط كما أتخيله و الذي وزع الى ثلاثة حقب أساسية الى حد الساعة، و الرابعة كما لعهدةً ستأتى لا محالة.

الحقبة الاولى : تم توزيع معلومات لا يعلم الصحيح منها من الخطأ ضد الشقيق لأصغر لبوتفليقة و عائلته. تلاه هجوم سياسي و اعلامي شرس على رئيس الدولة. و هو في المستشفي بفال دوقراس، تعالت اصوات من أجل تفعيل المادة 88 من الدستور لتنحيته.

الحقبة الثانية : التهجم على الرئيس و عائلته أيقض فى هذا الاخير الخوف النائم في جوف لاشعوره. سنوات البقرة النحيفة و ما صاحبها من ملفات الفساد التى استهدفته و التى ابعدته لسنوات طوال عن السياسة و البلاد أفقدته، بلا شك، نومه. كرد فعل، قرر بوتفليقة الترشح لعهدة اخرى لإغلاق باب الخطر عليه و على ذويه رغم حالته الصحية.

الحقبة الثالثة : كرد فعل لترشح بوتفليقة ظهرت حركات متعددة الاوجه و الاتجاهات لتقف ضد العهدة الرابعة. من رفض ترشح الرئيس المنتهية عهدته الى طلب الغاء المسار الانتخابي تعددت المطالب و كثرت المبادرات.

ان اتمعن النظر في ما يجري حولنا يجعلنا نقف على حقيقة أن التحكم و توجيه المسارات و على كل مستويات الفعل السياسي ليس ضرب من الخيال.

مخاطر

ان خروج الرافضون لترشح بوتفليقة الى الشارع قد يجر الموالون له، في وقت ما، الى استعمال الاسلوب نفسه لإظهار قوتهم و عمقهم الشعبي. فالوصول المحتمل الى هذا المستوي و نحن امام بداية الحملة الانتخابية قد يمكن من استعمال الشارع لخلق مفاجئات لم تكن في الحسبان و النظام متعود على « التضحيات التكتيكية » ان صح التعبير. كما يمكن ان تخرج هذه المفاجئات من رحم المؤسسات بعيد عن كل مظاهر التجمع و الاحتشاد.

هذا يجرنا الى طرح السؤال : كيف سيكون المشهد الرابع، هل سيتجسد قبل أو بعد 17 أفريل ؟

لائحة المجلس الوطني لحزب

الى هذا الحد نتوقف لنسترجع لائحة المجلس الوطني لحزب جبهة القوى لاشتراكية التى تقول بالحرف الواحد : « نحن نتموقع خارج اللعبة الانتخابية كمسار كلي و ليس كمنافسة بين المرشحين ». بتحليل عميق لم يترك أي قسط للسذاجة السياسوية و العاطفة الشعبوية من جهة و لم يصغي الى نطاح العصب الحاكمة من جهة أخرى، أفسد الاففاس كعادته طبخة النظام في أول موعد كبير يسيره بدون زعيمه التاريخي حسين أبت أحمد الذي ألهم توجه الحزب.

ان موقف المجلس الوطني الذي حاز على اجماع شبه كامل هو موقف مبدئي من مسار و ليس موقف تكتيكتى من سباق انتخابي، هذا ما يجعل موقف الاففاس، حسب رأي، منفرد عن غيره من المواقف الحزبية الاخرى و من مواقف الكثير من النشطاء. فعوض الدخول في ورقة الطريق التي حددها النظام من بدايتها إلى أخرها، فضل حزب الدا الحسين كعادته الطيران خارج السرب بحرصه على تفعيل ورقة طريق المؤتمر الخامس التى تدعوا الى التأسيس لتوافق وطنى يصون البلاد و انتقال ديمقراطي يمكن الشعب من التمركز كمصدر أول للشرعية.

ان المتمعن في الانتخابات الرئاسية المقبلة يتأكد من دون أدنى شك أنها فاقدة للشرعية منذ البداية لأن الفائز في أخر المطاف هو مرشح النظام بعصبه و رجاله و مسانديه القدمى و الجدد. ان غلق المجال الاعلامي و انحياز الادارة بكل مستوياتها لدليل قطعي على عدم توفر أي شرط يضمن انتخابات مفتوحة و نزيهة.

بانغلاقه على نفسه و رفضه لانتخابات رئاسية انتقالية الى الجمهورية الثانية ضيع النظام على نفسه و على الجزائر فرصة أخرى للخروج من الازمة.

أمام هذا التعنت و الاصرار على ترك الحالة على حالها، ما جدوى العمل « مع » أو « ضد » العهدة الرابعة التي تستخدم كحصان طروادة و الانتخابات محسومة مسبقا ؟ ببوتفليقة أو برئيس أخر، ستبقى الامور كما كانت ما لم يقرر النظام فتح قنوات العمل السياسي المشترك مع المعارضة لتجاوز الازمة، ليس بالوعود و الشعارات لكن بإجراءات ملموسة و فعلية.

لهذه الأسباب، أليس التموقع داخل المسار الانتخابي حتى مقاطعا هو اضفاء نوع من الطابع الديمقراطي على هذا الموعد ؟ هذا السؤال يدفعنا الى البحث عن تجاوز « سياسة رد الفعل » الى تفضيل « سياسة المبادرة » و الاخذ بزمام الامور. لبلورة هذا التوجه الاستراتيجي، أرى أنه من الاجدر بقوى التغيير العمل على بلورة البديل الديمقراطي و النظام يمشي برزانة نحو فشله الكامل عوض التفاعل مع سيناريوهات النظام و اللعب في الدائرة المسموحة بها.

ان التطورات التى ظهرت على الساحة السياسة خلال الاشهر الاخيرة من سقوط الثنائيات القطبية : الديمقراطيون/لإسلاميون من جهة و الاقصائيون/المصالحون من جهة أخرى و وصول عدد كبير من الفاعلين السياسيين الى قناعة و جوب البحث عن توافقات سياسية و العمل على التأسيس لمرحلة انتقالية تبشر كلها بظهور أفاق سياسية جديدة و حاملة للأمل ان لم تهدر من أجل حسابات ضيقة و أنية. الى هذه التطورات الايجابية في فلك قوى التغيير التي تتعزز كل يوم بأصوات جديدة، يجب التنبيه إن الخلاف الذي يتجذر في بيت الافلان و تبدد الخوف من البوليس السياسي سوف يساعد مستقبلا على تفتح أكبر للمنظومة السياسية قي الجزائر.

لكن، و رغم بعض التطورات الايجابية، على الاففاس و قوي التغيير العريقة الاحتياط و الحذر. ان النظام متمرس الى حد كبير في تقنية الاستحواذ على مطالب المعارضة و اقتراحاتها لتفريغها من مضامينها.

« لا موقف »

سيخرج الى الملأ أناس لإقناع الشعب بإمكانية قلب موازن القوى و تغيير قواعد اللعبة السياسة عبر المشاركة الفعلية و المكثفة في الانتخابات، مستندين في ذلك الى تسريبات و معلومات موثوقة…. انه موقف محترم ككل المواقف السياسية التى تنبثق من استراتيجية تغيير النظام من الداخل عبر التحالف مع عصب ضد أخرى.

ما ينزع المصداقية على أصحابها هو تغيرهم المفاجئ لتحليلهم للوضع السياسي و كيفية التماشى مع الاحداث من دون أن يطرأ أي تغيير يذكر على الحالة السياسية للبلاد من 2012 الى اليوم. لقد تنقلوا بكل سلاسة و سهولة من موقف « الانتخابات خيانة » في سنة 2012 الى موقف « الانتخابات فعل وطني و نضال من أجل التحرر » في 2014.

ان الدعوة الى انتفاضة انتخابية ستخدم النظام عبر عصبه المتنافسة، ما سيجعله في غنى عن أي انتقال ديمقراطي و هو من استطاع تجنيد الشعب للانتخاب على مرشحيه. ان هذا الموفق فيه كثير من السذاجة السياسية و هو مبني على معطيات و معلومات لن تصمد امام واقع فرض نفسه منذ الاستقلال.

من جهة أخرى، ان التهديد بالشارع كأداة لصيانة أصوات المنتخبين ليس إلا وسيلة لحشد الرأي العام و اضفاء بعض من « المنافسة الساخنة » على الانتخابات لجعلها تتسم بقليل من المصداقية. هذا كل ما في لأمر. ان وصف أصحاب هذا التوجه لموقف الاففاس بأنه « لا موقف » يعبر عن استيائهم لكون هذا الحزب لم يدخل في خانة الموالاة لأي مرشح من جهة و لا للمسار الانتخابي الذي لا يقدم أي فرصة للتغيير من جهة أخرى.

ان التهجم على الاففاس لأنه حسب ابواق النظام ابتعد عن الخط الراديكالي لحسين أيت احمد و الالتحاق بعد ذلك بمرشحي النظام يجعل المواطن البسيط يفقد منطقه السياسي و ينفر من كل اهتمام بالمسائل العامة.

التحرر من الفلك السياسى الذي أنتج التعفن

الفهم الساذج و السطحي لموقف الاففاس، ان لم أقل اللا فهم الذي نلاحظه عند الكثير من الساسة و رجال لإعلام لا يخدم الثقافة السياسية الوطنية كجملة من التراكمات التى ترفع مستوى الوعي لدى الموطنين. فالإصرار على تفضيل منطق البساطة « مع » أو « ضد »، مع الميل المفرط فيه الى تشخيص المشاكل السياسية و تقزيم النقاش و إبعاده عن مستوياته الاستراتيجية لا يخدم حتى النظام القائم. ان منطق الاسود و الابيض، الملء و الفارغ، الذاهب و العائد لا يمكن ان يكون ذا جدوى أمام الازمة الوطنية المعقدة.

ان عدم الرغبة في التحرر من الفلك السياسى الذي أنتج كل هذا التعفن السياسي الذي نعيشه هو نوع من الاجحاف في حق الوطن و المواطنون. انه تقوية استراتيجية للنظام الفاسد عبر أخطر الادوات السياسية و هي الفكرة.

اهل يعقل أن تكتب صحفنا عن التوافق الوطنى و وجوب المرحلة الانتقالية و تتكلم عن كل من التحق بهذه المطالب من دون ذكر منتج هذه الافكار السياسية و هو الاففاس. انه ضرب من الفساد الفكري الذي سوف يتكاثر ليخلق المآسي و المحن. ان الذي يتناسى ان السياسة أخلاق و مواقف رجال و نساء لن يمكنه التأسيس لمرحلة انتقالية نحو الديمقراطية. عند التطرق الى موضوع « الصحافة، المصداقية و الانتقال الديمقراطي » يجب وضع النقاط على الحروف لتكون الصحافة أداة للحرية و ليست ترسانة لكسب المواقع و لو على حساب الحقيقة و الوطن.

فرصة للجزائر

ختما، أقول أن موقف حزب الاففاس هو محاولة معقدة و جادة للخروج من الثنائية القطبية و تشخيص الازمات و كذا الصدام المعلن بين عصب السلطة و ذلك عبر اقتراح حل وطني سلمي و ديمقراطي. انه عمل على اشراك المجتمع في عملية اعادة بناء ميزان قوى لصالح الانتقال الديمقراطي السلمي و المرن. انه فرصة للجزائر.

ابراهيم تزاغارت

منشط في الحركة الثقافية الامازيغية

 

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s