قراءة في خطاب رئيس الجمهورية بعد أداء اليمين الدستورية

Publié: 3 mai 2014 dans actualité
Tags:, , ,

ait larbi

أدى رئيس الجمهورية اليمين الدستورية أمام الأمة يوم 28 أبريل الماضي. وقد تعهد في يمينه أمام الله وأمام الشعب، بأن يقوم على الخصوص: « بالدفاع عن الدستور، وتدعيم المسار الديمقراطي، وحماية الحريات والحقوق الأساسية للإنسان والمواطن… ».
إن هذا التعهد في « يوم مشهود »، سبقته تعهدات 1999 و2004 و2009. ولكن ما معنى الدفاع عن الدستور أمام ترسانة من القوانين التي تنتهك المبادئ الأساسية للنظام الدستوري من طرف السلطات العمومية بدون عقاب؟ وما معنى تدعيم المسار الديمقراطي في النص، وتهميش المجتمع المدني والأحزاب السياسية المعارضة؟ فالديمقراطية مبنية على أغلبية يفترض أنها منتخبة بكل حرية وشفافية وفقا لمقاييس النظام الديمقراطي، وعلى وجود معارضة قوية تسمح بالتداول على السلطة بالوسائل السلمية. فلا ينبغي للسلطة أن تبقى بناء على التزوير، ولا ينبغي للمعارضة أن تختفي وراء التزوير بعد كل فشل. وعلى الجميع ألا ينتظر الانتخابات للحديث عن الضمانات، أو البحث عن آليات فعالة. وفي هذا المجال لا حديث عن الديمقراطية عندما يكون الفرق بين نتائج الأغلبية والمعارضة في الانتخابات التشريعية أو الرئاسية أكثر من 10% من المقاعد أو الأصوات. ومهما كانت مسؤولية السلطة في هذا المجال، فإن للمعارضة والمجمع المدني مسؤولية لا يمكن إخفاؤها.
وما معنى الدفاع عن الحريات والحقوق المنصوص عليها في الدستور عندما يأتي القانون لتقييدها خارج الاستثناءات المتفق عليها في مجتمع ديموقراطي وفقا لميثاق الأمم المتحدة والمعاهدات الدولية التي صادقت عليها الجزائر؟ وما جدوى النص على الحريات والحقوق في الدستور بسخاء، ومنها حريات تأسيس الأحزاب والجمعيات والصحافة وتنظيم المسيرات والاجتماعات، ثم تأتي قوانين « الإصلاحات » لتقييدها برخصة من وزير الداخلية أو الوالي، والتي يمنحها أو يرفضها وفقا لميول السلطة الظرفية ودون مراقب؟ وحتى اجتماعات قيادات الأحزاب ومؤتمراتها تخضع للترخيص.
واليوم، بدلا من تضييع الوقت في الحديث عن الماضي (دون نسيانه) وبدلا من التركيز على نطق الرئيس وإشاراته وكرسيه المتنقل، علينا أن ننظر إلى المستقبل، للبحث عن طرق ووسائل التغيير السلمي نحو الديمقراطية ودولة القانون، واستقلال المؤسسات، وكيف نفتح قنوات الحوار بين أحزاب المعارضة والشخصيات، ثم بين جميع الأحزاب والمجتمع المدني، وأخيرا بين قوى التغيير السلمي والسلطة.
وهناك في اعتقادي ثلاث مسائل قد تعرقل التغيير السلمي:
1 – الشروط المسبقة باستثناء شرط السلم الذي لم يعد في الحقيقة شرطا لأن بيانات وتصريحات كل الأطراف تدل على وجود إجماع حول هذه النقطة. وإذا أراد كل طرف الدخول في حوار بشروطه، فهذه الشروط ستؤدي لا محالة إلى بقاء باب الحوار مغلقا، وفسح المجال للسّلطة، لتبادر بإرادتها المنفردة، وتختفي كالعادة وراء العدد الكبير من الأحزاب المؤيدة، ومعظمها لا وجود لها إلا في ملفات وزارة الداخلية.
2 – محاولة إبعاد المعارضة من طرف السلطة أو العكس من الحوار والتوافق. لأن الأحداث بينت أنه لا يمكن تغيير النظام سلميا بدون مشاركة السلطة القائمة، ولا يمكن المحافظة على الاستقرار عن طريق تهميش المعارضة والمجتمع المدني.
3 – إذا كانت المرحلة الانتقالية تعني برنامج انتقالي نحو الديمقراطية مع المؤسسات القائمة في انتظار التوافق، وتحديد الأهداف بدقة وأجاندا واضحة ودقيقة لتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية حقيقية في مدة لا تتجاوز مدة معقولة ومقبولة، فهذا سيدفع بعجلة التغيير السلمي إلى الأمام، لأن الوضعية لا تقبل انتظار نهاية العهدات. ولكن إذا كان المقصود هو مؤسسات انتقالية موازية أو مؤسسات تحل محل المؤسسات القائمة، (بغض النظر عن الانتقادات الموجهة لها)، فيكف يمكن تحقيق ذلك بالوسائل السلمية؟ مما يستوجب نقاشا معمقا بعيدا عن الحلول الجاهزة.
وأعود إلى خطاب رئيس الجمهورية المكتوب بمناسبة تأدية اليمين لأركز على الأهم:
1 – ورد في هذا الخطاب  » العمل وإياكم على الحفاظ على استقرار البلاد ».
لا شك أن الاستقرار ينبغي أن يكون قاسما مشتركا بين السلطة وقوى التغيير السلمي. ولكن الاستقرار لا يعني تهميش المعارضة، والمجتمع المدني، والشخصيات الفاعلة. ولا يعني منع المسيرات السلمية وقمعها، كما حدث بمناسبة الاحتفال بالربيع الأمازيغي، حيث بلغ القمع، بدون مبرر، درجة الوحشية. إذ شاهد العالم شابا مغميا عليه وشرطيا يضربه برجله، ثم تم جره على الأرض من طرف رجال « الأمن »، أمام أعين زملائهم وضباطهم، ولم يتدخلوا لوضع حد للجريمة. ويفترض أن العقوبة لا تتوقف عند توقيف 5 من عناصر الشرطة. فتدعيم الاستقرار في مثل هذه الحالات يستوجب تقديم كل شرطي قام بهذه الجريمة، وكل شرطي حضر ولم يتدخل لحماية مواطن تعرض لعمل وحشي وماس بكرامة الإنسان، والضباط الموجودين في الميدان، والذين أمروا بالقمع، إلى العدالة. ولا يعني أيضا التساهلية التي لا حظها الجميع خلال أحداث غرداية، وعجز السلطات العمومية على حماية الأشخاص والممتلكات، مما أدى إلى عدة قتلى وجرحى، وتخريب السكنات والمحلات أمام مصالح الأمن. فحالة الطوارئ لمدة أسبوع كانت كافية لاسترجاع الأمن والطمأنينة لجميع سكان المنطقة. فالاستقرار يأتي نتيجة حماية الحريات والحقوق والكرامة وليس عن طريق المنع والقمع.
2 – ونص على  » فتح ورشة الإصلاحات السياسية التي ستفضي إلى مراجعة الدستور مراجعة توافقية « :
يبدو أن رئيس الجمهورية اكتشف بطريقة أو بأخرى فشل « الإصلاحات  » لأن القوانين المنبثقة عنها جاءت لعرقلة المسير الديمقراطي والتغيير السلمي نحو دولة القانون وليس لتدعيمها. وهذا يمكن إثباته بسهولة، عن طريق مقارنة القوانين المتعلقة بالانتخابات والأحزاب والجمعيات والإعلام بالقوانين السابقة رغم عيوبها.
3 – وبالنسبة للدستور، يبدو أن رئيس الجمهورية تراجع عن الفكرة التي أعلن عنها في خطاب 15 أبريل 2011 والذي جاء فيه « … يتعين إدخال التعديلات اللازمة على دستور البلاد… سيتم ذلك من خلال إنشاء لجنة دستورية تشارك فيها التيارات السياسية الفاعلة وخبراء في القانون الدستوري وستعرض عليّ اقتراحات أتولاها بالنظر قبل عرضها بما يتلاءم مع مقومات مجتمعنا على موافقة البرلمان أو عرضها لاقتراعكم عن طريق الاستفتاء ».
فرغبة الرئيس كانت موجهة إلى تعديل الدستور وفقا لما يراه هو، دون غيره. أما اليوم، فإنه يتحدث عن التوافق في خطاب التنصيب الرسمي للعهدة الرابعة. ولكن هل يكون التوافق بعد نقاش طويل ومعمق حول القضايا الكبرى، تشارك فيه جميع قوى التغير السلمي بدون إقصاء؟ وهل ينوي الرئيس الخروج من نظام الترخيص الذي يقيد الحريات والحقوق، إلى نظام التصريح بتأسيس الأحزاب والجمعيات وتنظيم المسيرات والاجتماعات في مجتمع ديمقراطي؟ أم أن التوافق المقصود يتعلق بجماعات النظام وأحزاب الموالاة ومنظماتها وخبرائها…؟ ومن جهة أخرى، فإن المجلس الوطني الحالي ليس له أية مصداقية للمصادقة على التعديلات الدستورية. مما يستدعي حلّه، وتنظيم انتخابات مسبقة، تسمح بوصول الشباب والشخصيات الفاعلة في المجتمع إلى البرلمان، باعتبار أن العمل السياسي لا يقتصر على منصب رئيس الجمهورية.
4 – « محاربة الجرائم الاقتصادية وفي مقدمتها آفة الفساد… حماية الإطارات المسيرة « .
يمكن القول أن قانون الوقاية من الفساد ومكافحته استعمل لتصفية الحسابات أحيانا، ولأتفه الأسباب أحيانا أخرى. أما الفساد الحقيقي الذي يهدد الاقتصاد الوطني ويزعزع الاستقرار لا يزال في أغلب الأحيان بلا عقاب. وهل يستطيع الرئيس اليوم أن يفعّل العدالة لتتمكن من الوصول إلى كبار المفسدين حتى لا تكتفي بمتابعة حارس حظيرة في بلدية نائية؟ وينص الدستور على مبدأ « القانون فوق الجميع ». ولم يبق إلا التطبيق.
أما الإطارات المسيرة، فمعظمها محبوسة بدون دليل. والمتابعة في غالب الأحيان تكون ضد الإطارات التي تؤدي واجبها بإخلاص، ولا تخضع للتعليمات والمحاباة. وقصد حماية الإطارات النزيهة ومحاربة الفساد وفقا للقانون، لا بد من إيجاد آليات جديدة تحول دون التحكم واستعمال العدالة لتحقيق مصالح شخصية بدأ من محاربة الرشوة والفساد داخل صفوف الضبط القضائي، والقضاء لتصفية صفوفهما من العناصر التي تساهم في انتشار الفساد.
5 – ويتحدث الرئيس على « ترقية لا مركزية ترتكز على الديمقراطية التشاركية ».
تشهد الجزائر العاصمة ازدحاما غير عادي في « أيام الاستقبال » نظرا لمركزية القرار في قضايا لا ينبغي أن تتعدى الولاية. حتى مجرد رخصة فتح وكالة عقارية أو وكالة السفر تخضع لترخيص وزاري. فاللامركزية لا ينبغي أن تكون لا مركزية المشاكل فحسب، ولكن لا بد من منح صلاحيات واسعة للإدارة المحلية وللمنتخبين، ووضع آليات فعالة لإشراك المواطنين في اتخاذ القرار ومراقبة الإدارة والمنتخبين. وهذا يستدعي محاربة الذهنيات الحالية المتمثلة في عزوف الشخصيات وقيادات الأحزاب على الترشح للمجالس البلدية والولائية لتقوية الهيئات المنتخبة، وجعلها لا تخضع إلا للقانون. إن فاليري جيسكار ديستان Valéry Giscard d’Estaing، رئيس فرنسا، عاد بعد نهاية عهدته الرئاسية إلى رئاسة بلدية صغيرة. وفي هذا المجال يكون البروفيسور عبد الحميد أبركان رئيس بلدية الخروب قدوة لهؤلاء. لأن النشاط السياسي لا يقتصر على منصب رئيس أو وزير أو عضو البرلمان.
إن التغيير السلمي الذي ينتظره الشعب يقتضي التخلي عن المسائل والخلافات الهامشية، لتركيز الجهود على ما هو مصيري بالنسبة للشعب والأمة. للجزائر إمكانيات مادية ومالية، وقدرات بشرية، وكفاءات شابة في جميع المجالات، تسمح للجزائر بالخروج من الأزمة المتعددة الأبعاد في ظرف قصير، إذا سمحت السلطة والأحزاب لهذه الكفاءات بالبروز وبتقلد المسؤوليات.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s