حوار نادر لحسين آيت أحمد باللغة العربية في يومية مغربية

Publié: 4 janvier 2016 dans actualité
Tags:

da lho

حوار شامل مع الزعيم الراحل ‫حسين_آيت_أحمد. أجراه الصحفي المغربي (من اصل موريتاني( ‫ ‏محمد_باهي ونشرته يومية “الاتحاد الاشتراكي”المغربية بتاريخ 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 1995. إنها وثيقة ذات فائدة جمة لكل المهتمين بالأوضاع السياسية في الجزائر والمغرب الكبيروالعالم العربي.

المرحوم محمد باهي – لمن لا يعرفه- وُلد بأقصى جنوب موريتانيا في بيت من عشيرة العلويين، إحدى أهم القبائل المحلية . ناضل ببندقيته وقلمه من اجل تحرير أقطار المغرب الكبير من نير الاستعمار. غطى كصحافي حرب الحزائر مرافقا الثوار في جبهات القتال ودخل الجزائر العاصمة ، في خضم انتصار الثورة، على متن المدرعة ذاتها التي كان يمتطيها المرحوم هواري بومدين

الزعيم الجزائري حسين آيت أحمد يقول في حديث خاص مع “الاتحاد الإشتراكي” :

“الرئيس الجزائري الحقيقي هو الذي يستطيع أن يوحد بين جميع العائلات الجزائرية وليس هو من يقسم أو يقصي“

يعترف جميع المراقبين السياسيين المتتبعين لتطور الوضعية الجزائرية، بمن فيهم حتى أولئك المقربون من السلطات الرسمية بما يسمونه «تأثير آيت أحمد» في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، ولا يتردد وزير جزائري سابق، ما يزال على صلة قوية بالجهاز الحاكم في القول بأن أكبر نسبة امتناع عن التصويت سُجلت بالمناطق التي تملك فيها جبهة القوى الاشتراكية التي يتزعمها الحسين آيت أحمد جذورا عميقة مثل الجزائر العاصمة وولايات تيزي أوزو والبويرة وبجاية وبومرداس وتيبازة وتقدر بعض الأوساط الرسمية أن حزب الحسين آيت أحمد أثر على الأقل في حوالي مليونين من الناخبين انضبطوا لتعليماته وتوجيهاته الداعية إلى الإستنكاف عن التصويت. يضاف إلى ذلك أن هذه النسبة العالية من الإستنكاف رافقتها بالطبع ظاهرة أخرى موازية ومكملة لها تتمثل في أن مناطق نفوذ الحسين آيت أحمد وحزبه (جبهة القوى الاشتراكية) هي الولايات التي حصل فيها الأمين زروال على أدنى نسبة من الأصوات.
وفي انتظار تقديم تحليل مفصل للانتخابات الرئاسية وارتهاناتها ورهاناتها والآفاق التي تفتحها أمام الجزائر، نقدم حديثا صحفيا أدلى لنا به السيد الحسين أحمد في بداية هذا الأسبوع.

سؤال : ما رأيكم في النسبة العالية للمشاركة في الانتخابات الرئاسية؟

جواب : أولا، أنا لا أعتقد بصحة الأرقام الواردة في البيانات الرسمية. إنها أرقام مبالغ فيها جدا. مازلت أنتظر تقارير مفصلة عن النسبة الحقيقية للمشاركة. لكن المؤكد أن هذه الانتخابات كانت مصطنعة، وكان إخراجها السياسي والإعلامي دقيقا. إلا أن الواقع ليس ما شاهده الصحفيون، وليس هو بالطبع ما نقلوه إلى الخارج. الصحفيون بقوا محصورين داخل فندق الأوراسي ولم يتحركوا خارج نطاق حيز جغرافي محدود في عدد من شوارع العاصمة كانت حراسة مشددة. باختصار هذه الانتخابات نظمت من طرف الجيش في ظل حالة الطوارئ، ولم تتمكن أحزاب المعارضة الحقيقية خلالها من التعبير عن نفسها.

سؤال : عن أي أحزاب تتحدثون؟

جواب : إنني أقصد الأحزاب الموقعة على عقد روما.

سؤال : لكنها رفضت مبدأ المشاركة في هذه الانتخابات ووضعت نفسها كما يقولون خارج اللعبة. ألا تعتقدون أن المقاطعة كانت خطأ سياسيا ؟

جواب : في السياسة لا فائدة من محاكمة النوايا. المهم هو النتائج التي تأتي ثمرة لتصرف واقعي. في روما وضعنا خطة لتسوية سياسة رفضها النظام جملة وتفصيلا، وشن علينا حملات دعائية اتهمنا فيها بأبشع التهم. وهو لم يكتف بذلك، وإنما أقدم على سلسلة من الاعتقالات والتصفيات لتخويف المناضلين والمسؤولين المؤيدين لعقد روما.

سؤال : مثلا؟

جواب : آخر مثل يمكن أن أقدمه في هذا الباب، وهو غيض من فيض، تصفية مبارك محيو يوم 4 نوفمبر 1995 أمام منزله في حي القبة. إنكم تعرفونه شخصيا. لقد التقيتم به معي داخل مقر جبهة القوى الاشتراكية بشارع بوكۛرة أثناء تغطيتكم للانتخابات التشريعية في شتاء 1991.
لقد كان مبارك محيو أمينا وطنيا لجبهة القوى الاشتراكية مسؤولا عن شؤون المال وقد رشحه الحزب للانتخابات التشريعية الماضية بحي القبة، وحصل على خمسة آلاف صوت في استشارة 1991. هذا القائد المسؤول قتل بالرصاص أمام منزله بالقبة يوم 5 نوفمبر الجاري، أي قبل عشرة أيام فقط من حلول موعد الانتخابات الرئاسية. وقد استشهد معه في نفس الحادثة شاب قريب له كان يرافقه. وفي البداية قالوا أن الشاب توفي بسكتة قلبية، لكن فحصا طبيا أُجرِيَ له قبل الدفن مكن من اكتشاف رصاصة اخترقت جسده من تحت الإبط الأيسر واستقرت بالقلب مباشرة.

يضاف إلى اغتيال مبارك محيو الاختطاف الذي تعرض له الأخ جمال زناتي أحد مسؤولي الحركة الثقافية البربرية، بعد ذلك بأسبوع، بينما كان يقوم بجولة شرح وتوعية داخل منطقة القبائل. إن ذلك الاغتيال، وذلك الاختطاف اللذان حملا قبل أيام معدودات من الانتخابات الرئاسية لهما دلالة واضحة: لقد كان المقصود من الحالتين تخويف الممتنعين عن التصويت من مقاطعة هذه التجربة…

سؤال : لكن التهديد لم يكن محصورا في السلطة وحدها…

جواب : صحيح الجماعات المسلحة الإسلامية أيضا هددت…
والواقع أن الانتخابات الرئاسية حصلت تحت وطأة تهديد مزدوج : الجماعات المسلحة من جهة والسلطة الرسمية من جهة أخرى فرجال الشرطة والجيش كانوا يمرون على العائلات ويقولون لهم سوف نزوركم بعد الانتخابات لمراجعة بطاقات التصويت.

سؤال : لكن جميع المراقبين يؤكدون أن الإقبال كان كبيرا على صناديق الإقتراع…

جواب : دعني أذكرك أولا بأنه كان في الجزائر حوالي 33.000 مكتب اقتراع، وأن المراقبين الذين تتحدث عنهم [وهم موفدون من الجامعة العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية] لم يتجاوزوا بعض المكاتب المختارة في العاصمة، وعدد من المدن الكبرى فيالولايات الأخرى.

سؤال : هل أنتم متفقون مع رابح كبير في موقفه الأخير الذي عبر فيه عن استعداد الجبهة الإسلامية للإنقاذ للتفاوض؟

جواب : كٓوننا نعتبر هذه الانتخابات مسخرة وتراجيديا، لا يغير شيئا من استعدادنا للمشاركة في مفاوضة سياسية حقيقية من أجل إيجاد حل نهائي للأزمة القائمة ووضع حد للحرب الأهلية، إننا نعتقد بأنه مهما كانت نسبة المشاركين ونسبة الممتنعين، فالجميع يريدون السلام. لكن حذار من اعتبار ما حدث بمثابة وكالة أو تفويض أو صك على بياض للأمين زروال، ستكون مأساة كبرى حقا إذا فهم المسؤولون الأمر على هذا النحو الضيق والمحدود.
لقد سمينا الأشياء بمسمياتها الحقيقية غداة 11 يناير 1992: قلنا هذا انقلاب، ولكننا مستعدون للتفاوض، ومازلنا نكرر نفس الخطاب، لأن النظام لم يغير شيئا من أساليبه في معالجة الأزمة. نعم مازالت مشكلة المشروعية مطروحة، ويخطئ من يظن أن هذه الانتخابات قد سوتها. إننا في الحقيقة أمام مشروعية الأمر الواقع.

سؤال : ما هي الاقتراحات العملية التي تنوون أن تقدموها للخروج من الأزمة؟

جواب : لقد وضع موقعو عقد روما مسألة العودة إلى الانتخابات كهدف مركزي. لكن هناك فرقا كبيرا بيننا وبين السلطة في هذا الميدان، نحن مثلا نطالب بمعالجة إشكالية التزوير في مستوى السجل الانتخابي، ويجب أن تتم المراجعة تحت رقابة مشتركة بين السلطة والأحزاب. وأذكركم بأن وزير الداخلية كان قد اتهم جبهة الإنقاذ بأنها، في مرحلة توليها الإدارة البلديات سجلت مليونين إضافيين من الناخبين.. لكن الوزير نفسه أعلن بعد أسبوع من هذا التصريح الذي يعترف فيه رسميا بأن السجل الانتخابي مزور، بأن السلطات لن تغير القوائم الانتخابية ثم إننا، ومعنا أحزاب عقد روما، كنا نريد أن تأتي الانتخابات تتويجا لمصالحة وطنية شاملة. لقد طالبنا بأشياء كثيرة من جملتها ضرورة تكوين حكومة ائتلاف وطني أو حكومة محايدة، وعقد مؤتمر مصالحة وطنية تشارك فيه الأحزاب والروابط وهيئات المجتمع المدني، لم نطالب قط بالانتخابات الرئاسية. كنا نريد مجلسا تأسيسيا يكرس فصل السلطات، ويحترم الحريات الفردية بشكل لا رجوع فيه. إن اختيار الانتخابات يجب أن يكون من صلاحية المؤتمر الوطني.
لكن الحكومة رفضت مقترحاتنا جملة وتفصيلا. والواقع أن هذه الانتخابات الرئاسية أخفت إجراءا استئصاليا مُقنعاً وسمحت للنظام بدعوة الاحتياطي وتكوين ميلشيات الحرس البلدي التي أصبحت تضم 50 ألف شخص وسمحت بتوزيع الأسلحة على نطاق واسع…

سؤال : يقول عدد من خصومكم السياسيين أنكم ارتكبتم، هذه المرة نفس الخطأ السياسي الذي وقعتم فيه، حين قررتم في سنة 1990 مقاطعة أول انتخابات تعددية بلدية…

جواب : المقارنة بين الموقفين غير سليمة.
في شهر يونيو 1990، قاطعنا الانتخابات البلدية، لأن حزبنا [جبهة القوى الاشتراكية] كان آخر تنظيم تم الاعتراف به رسميا، رغم أنه كان ولا يزال من الناحية التاريخية أقدم حزب معارض في الجزائر. لقد نشأ، كما تعرفون أنتم الذين رافقتم نشأته عام 1963، ومع ذلك كان آخر حزب اعترفت السلطة رسميا بوجوده. لقد اعترفوا وقتها بأحزاب مصطنعة لا يزيد عمرها عن بضعة أيام، أما نحن فبقوا يماطلون في السماح لنا بالعمل الرسمي العلني. وحين حصلنا على الاعتراف في نطاق التعددية الجديدة، وأُعلن تاريخ الاستشارة البلدية لم يكن لدينا الوقت الكافي لخوض المعركة.
ثم إننا كنا واثقين من أننا لن نحصل على حصتنا من الميزانية، إضافة إلى كوننا نريد التحضير للانتخابات التشريعية، لهذا بادرنا بجمع ستة أحزاب ووقعنا معها مذكرة سياسية قدمناها للرئيس الشاذلي بن جديد نطالب فيها بمراجعة السجل الانتخابي، وبإقرار مبدأ اللائحة النسبية، وباعتماد نظام الدورتين، وأخيرا بإشراك المعارضة في صياغة كافة الترتيبات المرافقة للعملية كلها بدءا من التقطيع الانتخابي، والقانون الانتخابي وانتهاء بالوصول المتكافئ إلى وسائل الإعلام الثقيل [أي التلفزة والإذاعة]. ولما كنت من جيل الرعيل الوطني الأول، فقد تذكرت أن الاستعمار كان يجرنا دائما إلى الانتخابات البلدية التي تتأرجح فيها المنافسات والصراعات الجهوية، وتحول بيننا وبين حل مشكلة المشروعية المطروحة على الصعيد الوطني.
ورغم أنهم لم يستجيبوا لمطالبنا، فقد شاركنا في الانتخابات التشريعية، هناك نقطة تفصيلية أريد أن أقف عندها لأنها بالغة الأهمية. لقد كان من المفروض أن تتم الانتخابات التشريعية في يونيو 1991 لا في دسمبر. ولكن الذي حصل أنه جرت مغالطات وتلاعبات كبرى. فقد بدأ الجدل حول النقطة التالية : هل نبدأ بالانتخابات الرئاسية أم التشريعية؟ وكنا نحن من أنصاره البدء بالانتخابات التشريعية لينبثق منها مجلس تأسيسي، يحل إشكالية الشرعية. وجاء التقطيع الانتخابي الأول في عهد حكومة حمروش، وجاءت الاستطلاعات الأولى التي تمت بعده مباشرة، تتوقع أننا سنفوز مع جبهة التحرير الوطني بأغلبية المقاعد البرلمانية.
من هذه اللحظة بالذات [يونيو] بدأت الأصوات ترتفع داخل الجبهة الإسلامية للإنقاذ، بعضها يطالب بالانتخابات الرئاسية المسبقة، وبعضها يدعوا إلى العدول عن مبدأ الانتخابات أصلا وفرعا، وينادي بالاستيلاء على السلطة بالقوة… وطالبت بعض الأحزاب [الحركة من أجل الديمقراطية والشيوعيون وحماس والتجمع] بالانتخابات الرئاسية… في هذا المناخ وقع الإضراب الانتفاضي الذي دعت إليه قيادة جبهة الإنقاذ، فنزل الجيش إلى الشارع، وأعلن حالة الطوارئ، وأقيلت حكومة مولود حمروش وجاءت حكومة أحمد غزالي التي أعادت التقطيع الانتخابي على أسس جديدة… وفي تلك المناسبة عبأنا مناضليها في الأحياء الشعبية للسماح للطلاب على الأقل إجتياز فحوصهم. وقد أدركنا في الحين مغزى تلك التلاعبات والمغالطات واختلاط الأوراق والمواقف.
ولعلكم تتذكرون أننا دعونا إلى تنظيم مسيرة شعبية وطنية كان يفترض أن تتم يوم 5 يونيو، لكن الجيش احتل الشوارع، وألغى مظاهرتنا السلمية… كنا نريد من وراء تلك المسيرة أن نثبت بأن القوى الديمقراطية تستطيع هي الأخرى أن تحتل الشوارع، ولم نرد أن نواجه العنف بالعنف، وقد أدركنا بأن المقصود من إضراب صيف 1991 هو السماح للجيش بالتدخل.

سؤال : لماذا شاركتم إذا في الانتخابات التشريعية لدسمبر 1991 وقاطعتم الانتخابات الرئاسية في نوفمبر 1995؟

جواب : شاركنا في الانتخابات التشريعية لشتاء 1991، فعلا رغم أن حكومة أحمد غزالي أعادت التقطيع الانتخابي بصورة غير ملائمة لنا، ولم نشارك في الانتخابات الرئاسية، لأننا ما نزال نعتبر أن التشريعات أهم. لكنني أريد أن أتوقف عند بعض أوجه التشابه والخلاف بين التجربتين. في الحالة الأولى [1991] لم يكن هناك تطابق، على مستوى الجماعات الضاغطة والنافذة بقمة السلطة حول الأولويات. كانت اللعبة الانتخابية نفسها مدار صراعات ورهانات متناقضة مرتبطة بالتسابق حول خلافة الشاذلي بن جديد. لذلك رأينا في مرحلة أولى، حكومة مولود حمروش، تقوم بذلك التقطيع الانتخابي الذي يعطي حظوظا كبرى لفوز جبهة التحرير الوطني وجبهة القوى الاشتراكية بالأغلبية البرلمانية، ولو أن الانتخابات التشريعية جرت في التاريخ الأصلي المحدد لها [أي يونيو 1991] لأخذت التطورات منحى آخر. أما عندما جاءت حكومة أحمد غزالي وأعادت التقطيع الانتخابي مرة ثانية في ظرف أقل من سنة، فقد كان الغرض هو خلق دوائر على المقاس تسمح بنجاح من يسمونهم بالمستقلين، وتعطي فرصة للأحزاب الصغيرة، أحزاب الكوكوت مينيت بهدف إخراج أغلبية جديدة وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد قُطعت دائرة بن عكنون وضُمت إليها دائرة والى إبراهيم، وقطعت دائرة بئر خادم وأضيفت إليها دائرة جسر قسنطينة، في ضواحي العاصمة الجنوبية الغربية. كما تم دمج مدينتي عين بنيان والشراقة بالشاطئ الغربي. فإذا تركنا العاصمة إلى منطقة بلاد القبائل مثلا ونجد أن التقطيع الانتخابي الأول المعتمد من طرف حكومة مولود حمروش أعطى لولاية تيزى أوزو 19 نائبا، بينما تم تخفيض هذا العدد إلى 12 في الخطة الانتخابية المقررة من طرف وزارة سيد أحمد غزالي، كذلك جرى تقليص من نواب ولاية بجاية من 16 إلى 9، وقلصت حصة ولاية البويرة من 12 إلى 9. وبما أن هذه الولايات بما فيها الجزائر العاصمة، هي تقليديا قلاع نفوذ جبهة القوى الاشتراكية، فقد كان من الواضح أن الهدف من «تشطيرها» على هذا النحو هو إضعاف حظوظ حزبنا من الحصول على كتلة نيابية قوية.
أما هذه المرة [أي في خريف 1995] فالوضع مختلف. لقد تم العدول عن أولوية الانتخابات التشريعية، التي كنا ننادى بها، وأعطيت الأسبقية للرئاسيات. ومشكلة الأولوية، أولوية الانتخابات التشريعية أو الرئاسيات، ليست مسألة تفصيلية في الحياة السياسية الجزائرية. لقد كنا منذ الاستقلال نطالب بأن تعطى الأولوية للتشريعات حتى نتمكن من تنصيب مجلس تأسيسي يضع دستورا حقيقيا لبلادنا يرسي قواعد الديمقراطية الصحيحة. وكان أهل النظام، من جانبهم يفضلون البدء بالرئاسيات، على أساس أن الرئاسة هي المؤسسة-المفتاح للنظام الجمهوري.
لقد تجدد النقاش واحتدم حول هذه النقطة بعد إقرار النظام التعددي في دستور فبراير 1989، ودخلت جبهة الإنقاذ على الخط، وبدأت تطالب هي بدورها باستقالة الرئيس وبإجراء انتخابات رئاسية مسبقة، مباشرة بعد الانتخابات التشريعية التعددية الأولى… وحصل ما هو معروف من توقيف للمسار الانتخابي ثم برزت من جديد فكرة الانتخابات الرئاسية التي تمت مؤخرا، بعد أربع سنوات من حرب أهلية مدمرة ذهب ضحيتها أكثر من 50 ألف مواطن..

سؤال : ما الحل إذا؟

جواب : نحن مسؤولون، وقادرون على تحمل مسؤولياتنا، لكن لن نزكي ديمقراطية مزيفة ولن نتواطأ مع نظام قيصري… لكن هذا النظام، الذي أسميه سلطة الأمر الواقع موجود، وهو يمثل طرفا أساسيا في الحياة السياسية. نعم، لقد منحت هذه الانتخابات الرئاسية، رغم ما علق بها من شوائب، سلطات واسعة للنظام القائم. ومعنى هذا أنه لابد لنا أن نستخلص الدروس العملية من هذه التجربة، أي أن تجرى انتخابات تشريعية شفافة تنبثق منها سلطة برلمانية جديدة، قوية، تحظى بثقة الشعب وتمثل قواه الاجتماعية المتعددة، لكي يكون هناك توازن حقيقي بين السلطة الرئاسية، والسلطة البرلمانية. لذلك نقترح أن يتم الإعداد للانتخابات التشريعية في مفاوضات مشتركة بين السلطة والمعارضة.
لقد كانت السلطة دائما كما سبق لي أن قلت تُماطل في إجراء الانتخابات التشريعية لأن البرلمان هو السلطة التشريعية المالكة لصلاحية مراقبة تسيير السلطة التنفيذية وهو يشكل ثغرة إستراتيجية في هيكلية بناء النظام القائم، لقد اقترحنا مثل هذا الحل في عقد روما، هو ما يزال صالحا.

سؤال : هل تعتقدون أن الرئيس الأمين زروال، بعد حصوله على الشرعية سيستجيب لمطالبكم هذه؟

جواب : سوف تبين لنا الأحداث قريبا ما إذا كان يريد، ويستطيع. على كل حال لا يجوز أن نعود إلى نقطة البداية ونقول أن إطلاق سراح الشخص الفلاني أو غيره سوف يحل المشكلة. لابد من الوصول إلى حل تفاوضي، ولا بد من اتخاذ إجراءات سياسية عملية تثبت لنا، وللرأي العام الوطني، أن السلطة غيرت رؤيتها وأسلوبها في التعامل مع من يخالفونها في الرأي… لابد مثلا من فتح المجال الإعلامي على مستويين : المستوى الأول هو رفع الرقابة المفروضة على الصحف المستقلة، والمستوى الثاني هو السماح للقوى المعارضة بإيصال رأيها عن طريق الإذاعة والتلفزة.

سؤال : هل يستطيع الرئيس زروال أن يمارس هذا الانفتاح الحقيقي؟

جواب : ذلك ما سنعرفه قريبا.
وكيفما كان رأينا في الانتخابات الرئاسية، فنحن مستعدون للمساهمة، إيجابيا في إخراج بلادنا من محنتها الرهيبة. إن شعبنا يريد السلام والديمقراطية، ويريدهما معا، وفي آن واحد وهذا هو موقفنا المشترك مع حلفائنا الآخرين.
لقد ناقشت هذا الأمر خلال لقاء تم بيني وبين الشيخ رابح كبير رئيس الهيئة التنفيذية الخارجية للجبهة الإسلامية للإنقاذ. كما أن أحزاب عقد روما اجتمعت في الجزائر غداة الانتخابات الرئاسية وجددت دعوتها إلى حوار حقيقي.
نحن في جبهة القوى الاشتراكية، نريد إخراج شعبنا من وضع الرهينة الذي يعيشه. إنه رهينة لعنف مزدوج وابتزاز مزدوج يمارسه عليه الإسلاميون وتمارسه عليه السلطة، وكوننا اتفقنا في روما مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ، لا يعني أبدا أننا نحصر الأزمة الجزائرية في مصالحة بين هذه الجبهة وبين النظام. لا، الأزمة الجزائرية أعمق وأشمل، ولن تحلها، كما يعتقد البعض مفاوضات ثنائية مع طرف من الأطراف ولن يسويها «قانون الرحمة» والاستسلامات التي يتحدثون عنها. لقد كان حزبنا ضد العنف وأصررنا في وثيقة روما على تسجيل التزام من الجبهة الإسلامية للإنقاذ بنبذ العنف كوسيلة لاستلام السلطة والاحتفاظ بها.
والسؤال الذي نطرحه اليوم ويطرحه معنا الرأي العام الوطني والمغربي والدولي هو : هل يستطيع زروال أن يفرض حلا سياسيا شاملا على الأطراف الأخرى النافذة في الجيش؟
لقد أكد في أحد التصريحات التي أدلى بها أثناء الحملة الانتخابية أنه إذا ما فاز في السباق، فسوف يصبح رئيسا لكل الجزائريين. وعلى كل حال، فإنه يستطيع أن يستفيد الآن من هذا الحماس المزيف أو الهادف للتفاوض مع المعارضة الصحيحة إنما لابد من وضع حد نهائي للحوار المزيف الذي ساد حتى الآن، وتعويضه بمفاوضة -نعم مفاوضة- حقيقية مع الأحزاب والقوى الاجتماعية الحقيقية.

سؤال : وإذا تفاوض النظام مع الإسلاميين وحدهم؟

جواب : ذلك شأنه. إن ما يهمنا نحن كجبهة للقوى الاشتراكية هو تحقيق السلام المدني، وتوفير ظروف الأمن والاستقرار لكي تجرى الانتخابات التشريعية في مناخ من الهدوء والسكينة وغياب الخوف. وتحليلنا أن المتشددين في النظام لا يستطيعون مراقبة الجزائريين، ونحن نعرف أنه توجد داخل السلطة الحاكمة فئة نافذة تحاول أن تحصر الأزمة في المعارضة الإسلامية، بأشكالها المختلفة.لكن هذا الموقف الاختزالي أبعد ما يكون عن الواقع. المعارضة أوسع بكثير من الإسلاميين، وهم مجرد طرف، هام بلا شك من أطرافها، والنظام القائم لا ينحصر في الجيش وإن كان هذا الأخير هو الطرف المهم فيه، فهناك بالإضافة إليه شبكات المصالح والقرابات الكثيرة التي تستغل الجيش لمآربها الخاصة. كلا. ليست المسألة مسألة تفاهم بين الجيش والإسلاميين ولكنها قضية تهم الشعب الجزائري كله، وهو شعب من حقه بعد كل ما قدم من تضحيات، أن لا تتم الاستهانة بمشاعره.
نعم الجيش طرف رئيسي في الأزمة وينبغي -وهو كذلك بحكم قوة الأشياء- أن يكون طرفا في تسويتها. ذلك ما قلناه دائما ونحن لم نرتكب الخطأ ولم نسقط في الفخ الذي وقع فيه بعض المتطرفين الإسلاميين حينما اعتبروا المؤسسة العسكرية كلها فاسدة. وإذا كان شخص أو حزب في الجزائر، نادى بالسلام، منذ اللحظة الأولى لظهور بوادر الأزمة في صيف 1991، فهو الحسين آيت أحمد وجبهة القوى الاشتراكية، بل إننا ما فتئنا ننادي بأن هذا السلام لا يمكن أن يكون فيه منتصر أو مهزوم ولابد أن يكون الجيش طرفا فيه.
ولأن -الانتخابات الرئاسية أكبر دليل على ذلك- يأتي البرهان القاطع بأن الحل العسكري غير ممكن، ويجب إطفاء النار قبل أن تعم المغرب الكبير والمتوسط وضواحي المدن الكبرى في أوربا. فهل يكون زروال رجل الساعة؟ هل يكون رجل الحل السياسي السلمي الشامل؟
إننا نطرح هذه الأسئلة، دون أن تغيب عن ذاكرتنا التجارب السابقة. ومثلا نلاحظ أن الرئيس الوحيد الذي أنهى عهده بشكل طبيعي في الجزائر هو المرحوم الهواري بومدين، لكونه جاء من الجيش ومن الأمن العسكري. أما الآخرون فما زلنا نذكر ما جرى لهم. لقد أُبعد بن بلة عن السلطة في 19 يونيو 1965لأسباب كثيرة من جملتها أنه توصل بصفته أمينا عاما لجبهة التحرير إلى توقيع اتفاق مع قيادة جبهة القوى الاشتراكية، كان من شأنه أن يجنب الجزائر مزالق ومخاطر تجربة الحزب الواحد، وأُرغم الشاذلي بن جديد على الاستقالة في يناير 1991، لأن تجربة التعددية الديمقراطية التي بدأها بعد خريف غضبأكتوبر 1988 خلقت مناخا من الحرية سيؤدي إلى كشف كثير من الحقائق المرة وجرى اغتيال محمد بوضياف لكونه أراد أن يفتح ملفات الفساد والرشوة ويضرب مراكز القوى والنفوذ الكثيرة…
إن التذكير بهذه الوقائع هو نوع من تنبيه الغافلين… نحن نريد أن يحصل الوفاق داخل الجيش، والجيش مشلول بصراع العشائر والجهويات، ومع ذلك نأمل أن يكون هو المخاطب الصالح، الصحيح، لكي يتفق مع المعارضة، ويستطيع أن يحترم الاتفاق ويطبقه : أما إذا أرادت جماعة نافذة أن تلعب لعبة التقسيم بين الإسلاميين وغيرهم، فإننا سوف نعود إلى نقطة الصفر. إننا نحذر من حصول استقطاب على حساب المجتمع المدني والأحزاب الديمقراطية والحركة الثقافية الأمازيغية والجمعيات النسائية، وبعض الإسلاميين…
إن الرئيس الجزائري الحقيقي هو الذي يستطيع أن يوحد بين جميع العائلات الجزائرية وليس هو من يُقَسم أو يقصي جزءا من هذه العائلات إرضاء لمصالح جزء آخر.

 

الحوار نشره على صفحته في الفايسبوك الصحافي الموريتاني المقيم بفرنسا عبد الله العالي حيث شكر المناضل اليساري المغربي مبارك (عباس) بودرقة العضو في جمعية “حلقة اصدقاء محمد باهي” الذي بفضله حصل على هذا النص.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s